المقالات

عمامة جدتي وقطرات المطر


علي الغراوي

أود في بادء الحديث أن أعرف من هي جدتي؟ إمرأة ألأهوار، وبيئة الجمال الخلاب؛ فقدت جدي( رحمه الله) في سبعينات القرن العشرين؛ بيديها المتجعدتان صنعت رجالاً أوفياء؛ زاهدين بالدنيا راغبين في العلم والدين؛ عاصرت طفولتها ثورة العشرين ضد ألأنكليز( ألانكريز) بلسانها الفطري، ولازالت تنظر لأولاد أحفادها بنظرات الحنين الجنوبي، وتنقل لهم جمال لفظة( الجا) وتسرد عليهم قصصٍ أهوارية أجمل من خيال ألف ليلة وليلة؛ ويوم كنت جالساً معها تحت أجواء غائمة؛ قرعت قطرات المطر عِمامتها(العصابة) فأصطحبتها الذاكرة الى هطول ألأمطار على بيتها القصبي، وأرضها الملطخة بعرق جبينها الطاهر؛ كانت ترى من المطر مصدر أبتهاجاً للأرض والقصب والبردى، فتنغمرُ أنذاك بالسعادة رافعةً يديها الى السماء بدعاءٍ فطري خالص( لك الحمد ياصاحب السما) وعند صفاء السماء وبزوغ الشمس؛ يضفي ماء المطر لوناً أخضراً للزرع الوفير، وجمالاً للبيئة بجوِها الشاعري.تعلمت من جدتي تلك الإمرأة الحنوبية؛ بأن ماء المطر يفرح الكثير من الناس الذين يشعرون بقيمة أرضهم وقدسيتها، وحنينهم الجياش لها وهي تحملهم على سطحها؛ كما أستلهمت من أمرإة ألأهوار؛ أن مياه ألأمطار تطهر ألأرض من الشوائب الرذيلة التي يرتكبها بعض البشر على رقعتهم الجغرافية؛ أي عشقٍ متلبد في قلب هذه الإمرأة مع المطر؟ وأي حكمةٍ عظيمة من أُمية لا تجيد القراءة والكتابة تسطرها بين الماء والأرض في نسيج الفطرة؟ سد رمقنا برغيف الخبز، وأشباع البطون الجائعة؛ وسر حياتنا؛ كل ذلك من ألأرض وقطرات الماء المتناثرة عليها- لكن ظلمة المدينة، ودخانها ألأسود، وشوراعها الفوضوية المليئة بالضوضاء؛ جعل البعض من أهلها يفسر النعمة نقمة! فالمطر ربما يكون نعمةً بلسانهم- شراً في قلوبهم؛ لكن فيلسوفة( الجا- المامش- الشنهي) كانت العكس من ذلك تماماً، فرغم انتقالها من جمال الطبيعة الجنوبية الى فوضى المدينة وضبابيتها البشرية قسراً وظلماً وجوراً على يد ( هدام) وزمرته من الآفات الضاره- لكنها بقيت تحمل في كيانها ذلك العشق الجنوني مع المطر، وقطرات ماء السماء التى نزلت برفق على عِمامتها السوداء؛ تفسر العشق ألأبدي المتبادل بين الماء وإمرأة الجنوب، كعشقِ قيس وليلى، وروميو وجوليت، والعشق النبوي بين نبي الله يعقوب لأبنه النبي يوسف( عليهما السلام) فهنيئاً لها بمعشوقها الوفي.تلك القطرات؛ جعلت عينا جدتي ترقرق بالدموع، وسرعان ما لبثت وسالت على الخدود المتجدعة من ظلم الزمان. سلاماً على عاشقة المطر.لعنة الله على مجفف ألأهوار.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
Dhia Taher : السيد الوزير الطاقة في بريطانيا عندما لا تتوفر قوانيين دولية لدى امريكا وإسرائيل تلجا امريكا ومعھا إسرائيل ...
الموضوع :
بريطانيا: لن نشارك في حرب لا أهداف واضحة لها وخطتنا خفض التصعيد
Dhia Taher : استاذ انت مريض بالاخبار يقولون عليك لديك رعشھ مثل جورج دبليوا بوش الصغير ...
الموضوع :
وزير الحرب الأمريكي: نعمل وفق خطة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية
سامي جواد : نسيت ان انبه ان حتى الدولة العثمانية المستبدة هي أيضا من أوربا ...
الموضوع :
تاريخ اسود للارهاب الاوربي في الوطن العربي
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
فيسبوك