دراسات

العلمانية بين شريعة محمد وشريعة عيسى/ 7

1367 2022-04-27

علي المؤمن ||

 

   بذل علمانيو البيئة الإسلامية قصارى جهودهم للمساواة بين الديانة المسيحية الأوروبية الثيوقراطية السلطوية وقاعدتها الروحية الأخلاقية العيسوية، وبين إسلام محمد بن عبد الله وشريعته، وصولاً الى استخدام معادلات الانقلاب العلماني الأوروبي على المسيحية الأوروبية التلفيقية، وإسقاطها على الواقع الإسلامي، وكان هدفهم فرض مخرجات عصر (التنوير) العلماني الأوروبي وفكره ونظمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، على بلاد المسلمين، أي أنه هدف عقدي استعماري، وليس هدفاً نهضوياً، لأن هذه المساواة والاسقاطات، مبنية على الجهل بجدلية العلاقة بين التراكم التاريخي للوقائع الاجتماعية، والذي يعطي للبيئة الاجتماعية خصوصياتها وأنماط حياتها وفلسفتها في العيش، وكذلك الجهل بالفرق الجوهري بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، أي أنها تشبيهات وإسقاطات متهافتة، وتعاني من انسدادات فكرية عميقة.

   وبمراجعة متأنية لمبادئ الإسلام وتعاليمة وأصوله وفروعه وأحكامه؛ يمكن بسهولة وعي حقيقة استحالة الفصل بين منظومة الشريعة الإسلامية، وبين الشأن العام والدولة والسياسة والاقتصاد والثقافة المجتمعية؛ فأغلب أحكام الشريعة، تنطوي على أنساق ونظم اجتماعية لتنظيم حياة المسلمين بكل جوانبها، سواء في الجانب العبادي والروحي أو في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والقانونية، أي أن السياسة والعمل السياسي وأهداف العمل السياسي والممارسة السياسة والحكم؛ كلها جزء من شريعة الإسلام وثوابته، كما إن السياسة والحكم في القرآن وسنة رسول الله والأئمة، ليسا فعلاً أو فكراً أو هدفاً مستقلاً عن الدين وشريعته، بل هما جزء لايتجزء عن الإسلام. كما لايوجد فصل - مطلقاً - بين أجزاء الشريعة الاسلامية، فهي تكمل بعضها الآخر. وهذا كله غير موجود في دين السيد المسيح وسنته وسيرته.

   وعليه؛ فإن ثنائية الدين والسياسة أو الدين والدولة، لاوجود لها في الإسلام، لأن هذه الثنائية هي نتاج دين مختلف عن الإسلام، ومناخ ديني فكري سياسي مختلف عن مناخ الشريعة الإسلامية ومخرجاتها، إذ ظل المناخ الأوروبي يعيش طيلة قرون طويلة معادلة الصراع بين النظم الثيوقراطية والملكية المطلقة والكنيسة من جهة، والمقاومة العلمانية الأوروبية ذات الجذور الوثنية من جهة أخرى، والتي انتهت الى ما عرف بعصر التنوير والنهضة الأوربية الفكرية والعلمية والقانونية والسياسية، وظهور الأنظمة العلمانية (الليبرالية الديمقراطية)، بدءاً من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. وهي وقائع تراكمية تاريخية لاتمت الى مناخ الشريعة الإسلامية بأية صلة.

   ولذلك؛ فإن قياس الاسلام وشريعته، على الديانة المسيحية والنظم الثيوقراطية الأوروبية، إنما هو قياس باطل منهجياً، وكذلك قياس الصراع بين الكنيسة وجماعات التنوير في عصر النهضة الأوربية، على المنظومة الدينية الإسلامية وعلاقتها بالواقع الاجتماعي لبلاد المسلمين، هو قياس باطل أيضاً، لأن هناك اختلافاً حاسماً وأساساً بين الشريعة الاسلامية والعقيدة المسيحية، وبين سلطة الكنيسة ودورها من جهة، وسلطة الشريعة الإسلامية ودور المرجعية الدينية الإسلامية من جهة أخرى. فديانة النبي عيسى المسيح الأصلية، هي عبارة عن تعاليم روحية وأخلاقية، ولايوجد فيها شريعة ولانظم اقتصادية وقانونية وسياسية وجهادية، كما أن النظام الكنسي برمته هو مخلوق بشري بالكامل، وليس له أي أصل تشريعي ديني. وبالتالي؛ فإن العلمانية هي نتاج محلي أوروبي مسيحي، ذو جذور وثنية، ومفصل على مقاسات المناخ الأوروبي وديانته ومخاضاته وظروفه وصراعاته الاجتماعية، ولايمكن أن تكون منظومة فكرية سياسية إنسانية عامة، يمكن استيرادها وفرضها على بيئات أخرى مختلفة، كالبيئة الإسلامية.

   أما ديانة النبي الخاتم محمد؛ فإنها ترتكز على عقيدة وشريعة متعاضدتين، تستوعبان كل النظم الحياتية، كما تشتملان إلزاماً على سلطة تنفيذية تعمل على تطبيق هذه النظم بالوسائل التي حددتها الشريعة نفسها، أي أن الإسلام لايتضمن عقيدة وشريعة وحسب، بل يحتوي على أدوات مقننة حاسمة لحماية العقيدة وتطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها، وهو ما تفتقد اليه كل الديانات الأخرى، ما يعني أن العمل السياسي في الإسلام يقننه الفقه السياسي الاسلامي ويهدف الى تطبيق الشريعة الاسلامية من خلال المرجعية الاسلامية والدولة.

   لذلك؛ أرى من الضروري جداً أن يطّلع العلمانيون في البلدان الإسلامية على أحكام الشريعة الإسلامية في مصدريها الأصليين (القران والصحيح من السنة الشريفة) والمصادر الاجتهادية، خاصة الأحكام الاجتماعية، بدلاً من إطلاق الأحكام جزافاً، وتقمص شخصية المفتي بدون علم، وليتعرفوا على مستوى موضوعية فتاواهم القاضية بفصل الإسلام عن السياسة والدولة وعموم الشأن العام، وفيما لو كان ذلك ممكناً من منظار الإسلام !!.

ربما يمكن للمسيحي أن يقول بأن المسيحية هي ديانة تربط الفرد بخالقه فقط، ولاعلاقة لها بالسياسة والدولة والتشريع، ولعله يستدل على ذلك بأن السيد المسيح لم يؤسس دولة ولم يأمر أتباعه بتطبيق أحكام الشريعة المسيحية، بسبب عدم وجود فقه اقتصادي وفقه مالي وفقه سياسي وفقه جهادي وفقه معاملات وعقود فيها، ولكن؛ ماهي حجة المسلم العلماني حين يزعم أن الدين الإسلامي لاعلاقة له بالسياسة وبالدولة، وليس فيه نظرية اقتصادية ولانظرية سياسية ولا نظرية قانونية؟!

ــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1538.46
الجنيه المصري 77.76
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.83
التعليقات
د. قيس مهدي حسن البياتي : أحسنتم ست باسمة فعلاً ماتفضلتم به.. وانا اقترح ان يخصص وقت للاطفال في مرحلة الابتدائية للعب والاطلاع ...
الموضوع :
فلذاتُ أكبادنا الى أين!؟
ابو حسنين : المعلوم والمعروف عن هذا الطبال من اخس ازلام وجلاوزة البعثيين الانجاس ومن الذين ركبوا بقطار الحمله الايمانيه ...
الموضوع :
بالفيديو .... فتاح الشيخ : جمهور الصدر اكثر طاعة من جمهور الامام علي (ع)
العراقي : اولا فتاح الشيخ معروف تاريخه ومعروفه اخلاقه وميوله ثانيا- تسمية جمهور الامام علي تسميه خاطئه وهي ذر ...
الموضوع :
بالفيديو .... فتاح الشيخ : جمهور الصدر اكثر طاعة من جمهور الامام علي (ع)
ابو تراب الشمري : عراق الجراح منذوا ولادته كان جريحا ومازال جرحه يدمينا عراق الشهادة وذكرى شهدائه تحيينا السلام على العراق ...
الموضوع :
أضـغاثَ أَفـعال ..!
حميد مجيد : الحمدلله الذي أنعم وأكرم هذه النفوس الطيبه والأنفس الصادحه لتغرد في سماء الولايه عنوانا للولاء والتضحية والفداء، ...
الموضوع :
بالفيديو ... نشيد سلام يا مهدي يا سيدي عجل انا على العهد
عباس حسن : سلام عليكم ورحمته الله وبركاته ........اناشد الجهات المسؤولة لمنع الفساد في سرقة المعلومات الى شركة (كار ) ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
ali alsadoon : احسنت يا زينب. بارك الله فيك. استمري في الكتابة الوعظية فهي مفيدة جدا. شكرا لك . ...
الموضوع :
لحظة ادراك..!
عامر الكاتب : نبقى بحاجة ماسة لهكذا اعمال فنية تحاكي مستوى ثقافة الاطفال وتقوي اواصر المحبة والولاء للامام الغائب روحي ...
الموضوع :
على خطى سلام فرمانده، نشيد إسلامي تحيتي وحدة عن الامام المنتظر عجل الله فرجه برعاية وكلاء المرجعية الدينية في كربلاء المقدسة
زهره احمد العرادي : شكرا على هذا العمل الجبار الأكثر من رائع ونأمل بأعمال بنفس المستوى بل وأقوي ...
الموضوع :
لا تستنسخوا سلام فرمانده..!
ابو تراب الشمري : السلام على الحسين منارة الثائرين السلام على من قال كلا للكفر والكافرين السلام على من سار في ...
الموضوع :
ِعشـقٌ وَعاصِفَـةٌ وَنـار..!
فيسبوك