دراسات

حرية الفكر في الرؤية الإسلامية:إشكالياتها وحدودها/1


 

د. علي المؤمن ||

 

    ينطوي موضوع «حرية الفكر في الإسلام» على أهمية خاصة؛ لارتباطه بالكثير من القضايا الحساسة التي تعيشها الأمة في حركة الفكر والواقع، وفي مقدمتها: حقوق الإنسان والحريات الخاصة والعامة، إضافة إلى الموضوعات الأخرى، التي تشكل مداخل أو نتائج له، كمصادر الحقوق ومناشئها، ومفهوم الحرية، والحرية في الإسلام، والعلاقة بالأديان والعقائد والأفكار الأخرى. وقضايا التجديد في الفكر الإسلامي، والارتداد والانحراف وغيرها.

    سنطرح في سلسلة المقالات هذه، هيكلاً عاماً للإشكاليات والتساؤلات التي يثيرها موضوع الحرية الفكرية وفق التصور الإسلامي، وخاصة ما يتعلق بحدود هذه الحرية وضوابطها. وتزداد إشكاليات الموضوع وتتراكم؛ تبعاً لاختلاف زوايا النظر حياله، وما ينتج عنها من آراء فكرية وقانونية وسياسية متعارضة، وخضوعه للمزايدات السياسية ولدعاوى فرض الحريات والحقوق وفق الأنماط الغربية، وهي دعاوى مسيسة غالباً، وذات أهداف سلطوية، الى جانب تشعب إفرازات الموضوع بمرور الزمن، وقلة المعالجات الفقهية والفكرية الإسلامية التأصلية الواقعية؛ الأمر الذي يتسبب في تعدد غير صحي في الرؤى النظرية والتطبيقية المستندة الى التصور الإسلامي، وتبدأ بأقصى اليمين، وتنتهي بأقصى اليسار.

    ورغم أن الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء المسلمين قد بحثوا هذا الموضوع في أطره العامة منذ قرون طويلة، ولا سيما في باب «الجبر والتفويض في علم الكلام»، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» و«الجهاد» و«الارتداد»، و«حفظ كتب الضلال»، و«العلاقة بأهل الذمة» وغيرها من الموضوعات الكلامية والفقه؛ إلا أن الأفكار والموجات الثقافية الجديدة التي اجتاحت المجتمعات الإسلامية، منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، سواء التي تعبّر عن صدى للأفكار الوليدة في الغرب، أو أنها أفكار مستوردة جاهزة أو توفيقية، أو أفكار تعبّر عن إفرازات واقعية من داخل المجتمع الإسلامي، كلّها تفرض بحث هذا الموضوع تحت عناوين جديدة، ووفق أسس أكثر استيعاباً وثباتاً وواقعية. ولا نقصد بالعناوين الجديدة، إصدار فتاوى وأحكام فقهية حيال المسائل المطروحة، بل مقاربات بحثية تأصيلية تتعامل بعمق وصبر مع تفاصيل الموضوع، وتفكك إشكالياته العقدية والفقهية والقانونية والسياسية والتنظيمية والتطبيقية، وتراعي الواقع ومتطلباته ومتغيراته وتطوراته على الصعد كافة، إضافة الى بسط قضية المناخات الفكرية السياسية، فيتم بحث الحرية الفكرية ــ مرة ـــ في إطار نظام سياسي إسلامي شرعي، وأخرى في إطار مجتمع المسلمين الذي يحكمه نظام سياسي وضعي.

    وقبل الدخول في صلب الموضوع؛ ينبغي التوقف عند مجالات حرية الفكر في إطار مجتمع المسلمين، والاتجاهات الفكرية التي تشكل مادة بحث الحرية الفكرية، ويمكن حصرها بثلاثة اتجاهات:

1- الحرية الفكرية للاتجاهات الإسلامية.

2- الحرية الفكرية للاتجاهات الخارجة على الدين (ومنها المنحرفة والمرتدة والكافرة).

3- الحرية الفكرية للاتجاهات الدينية غير المسلمة (أهل الكتاب).

    ولا شك أن كل واحد من هذه الاتجاهات بحاجة إلى مقاربة خاصة، تقوم بتثبيت أطره العامة والخاصة وحدوده ومظاهره وأنواعه، لأن المعالجات العامة غالباً ماتؤدي إلى حدوث خلط واضح بين تلك المجالات.

    ومن خلال قراءة تخصصية للنص الإسلامي (القرأن والصحيح من السنة)، وكذلك بعض البحوث الكلامية والفقهية التفاعلية؛ نرى أن الإسلام يمنح الإنسان الحرية، على أساس العبودية للَّه (تعالى) والإيمان به وتوحيد، وأنه الحق المطلق ومصدر كل الحقوق ومشرّعها، وأن حرية الفكر تبدأ به لتنتهي إليه، لأنه الهدف النهائي لحركة الحرية. وبكلمة أخرى؛ فإن التصور الإسلامي يذهب الى أن إطلاق حركة العقل الإنساني، تقوم على تحريره من قيد العبودية للنفس والشهوات والأفكار المعلبة والأنماط المستوردة من مناخات اجتماعية اخرى؛ لتتحول الى أصنام فكرية. أما إطلاق حرية السلوك والفكر دون ضوابط دينية وعرفية؛ فهو تركيز لحالة العبودية للنفس والآخر الفكري والسياسي، ولحالة العبث الاجتماعي. فالحرية الفكرية الهادفة المرشّدة، التي يدعو لها العقل، وتمنح الجميع حقوقهم في العيش بأمان وتكافؤ، هي الحرية التي شرعها الإسلام، سواء عبر نصوصه الثابتة أو حركة الاجتهاد التفاعلي المستمرة؛ على خلاف الحرية الفكرية والسلوكية غير الهادفة والفوضوية، التي تعني الحرية لمجرد الحرية، والتي تؤدي - قبل كل شيء - إلى العديد من المفاسد الاجتماعية، وأبسطها نقض الحرية نفسها. وهذا يقود إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإسلام يضع ضوابط عقلانية للحرية، ومعايير فطرية للحقوق، أي أنه يطلقها من جانب، وينظمها ويرشِّدها من جانب آخر.

    وهذا النوع من حرية الفكر هو نتاج المناخات الغربية، والتي أصبحت قاعدة للصنمية والعبث الفكريين منذ انطلاق ما عُرف بعصر «التنوير» (Enlightenment) في أوروبا خلال القرون 17 و18 و19 للميلاد، والذي استهدف الفكر الديني قبل كل شيء؛ إذ استهدف حراك التفكير الحر (Free Thinking) الذي كان يقوده المفكرون (الأحرار)، أمثال: «فولتير» و«جان جاك روسو» و«مونتسكيو» ومن جاء بعدهم؛ التحرر من التعاليم المسيحية والالزامات الدينية وقيود الكنيسة على وجه التحديد، وكان ترى أن الدين هو شريك السلطة السياسية المستبدة في قهر الفكر ومصادرة إرادة الناس. وإذا كان هذا الحراك المفصل على المناخات الأوروبية والديانة المسيحية والنظام الديني الكنسي؛ فإنه استعبد عقول بعض المثقفين في مجتمعاتنا الإسلامية فيما بعد، وبات يعتقد أن النهضة والحرية والحقوق رهينة بفصل الدين عن الشان العام والدولة والتشريعات، وهو بذلك يعيش وهم قياس الإسلام بالمسيحية، ومناخات المسلمين بمناخات الأوربيين، وهو قياس باطل في مقدماته ومعالجاته ومخرجاته؛ لأن الإسلام أسس لمنظومة الحقوق والحريات، وشرع أحكامها وتطبيقاتها وادوات تنفيذها، وهو ما تفتقد اليه الديانة المسيحية، في تعاليمها الأخلاقية العيسوية، أو لاهوتها البطرسي، أو نظمها الثيوقراطية القسطنطينية. فإذا كان مفكروا عصر النهضة الأوروبية استدلوا في صحة حراكهم التحرري من النظام الديني المسيحي الى مظاهر الظلم والاستبداد والتخلف التي ظل هذا النظام يفرزها منذ عهد قسطنطين الأول؛ فإن المتأثرين بهذه الحراك في المنطقة العربية والإسلامية يفتقدون الى مثل هذه الحجة، وهو يواجهون دين محمد بن عبد الله. 

    ولابد هنا من توضيح الفرق بين حرية التفكير والاعتقاد وحرية التعبير عن الفكر والمعتقد. فالمراد من حرية التفكير والاعتقاد، أن يطلق الإنسان لعقلة حرية الحركة، للتأمّل والتفكير، ثم الاستنباط والاستنتاج، وأخيراً التبني والاعتقاد، سواء بشكل فردي أو جماعي، وما يتخلل ذلك من شكوك واهتزازات أو ثبات. أما حرة التعبير عن الفكر والمعتقد، فيعني أن يعلن الإنسان عن أفكاره ومعتقداته، ويعبر عنها بالوسائل المختلفة، وفي مقدمتها الإعلام العام والخاص والسلوك الفردي والجماعي، سواء كان الإعلان بهدف الكسب والتبشير أو بهدف الدفاع.

    وحيال هذا الكم النوعي المهم من الإشكاليات؛ تتبادر إلى الذهن أسئلة كثيرة: ما هي طبيعة حدود الحرية الفكرية في الإسلام وضوابطها العقدية والفقهية؟ وما هي آليات تنظيم تلك الحرية؟ وما هي مظاهرها؟ وما علاقتها بالمعايير العرفية؟ وما هي المواقف التي يجب أن يتخذها النظام الإسلامي أو النظام الاجتماعي الديني أو مجتمع المسلمين أو الفرد المسلم، انطلاقاً من مواقع المسؤولية الشرعية والفكرية والاجتماعية والسياسية؟ وهل أن تحديد الحرية، بمستوى تنظيمها وترشيدها، يتعارض مع طبيعة الحرية الإنسانية؟ وفي أي مجال يطلق الإسلام للفكر حريته في الحركة؟

    ولانهدف من خلال هذه السلسة من المقالات الى تقديم إجابات نمطية على الأسئلة، بل الهدف يتلخص في محاولة تفكيك إشكالياتها ومقاربتها، في إطار دعوة للحوار الفكري المنهجي حول الموضوع، بعيداً عن الكلام التعبوي والشعارات الايديولوجية التي يطلقها المتطرفون من كل الإتجاهات، سواء المتطرفون العلمانيون أو المتطرفون الإسلاميون.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1724.14
الجنيه المصري 93.02
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2083.33
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 390.63
ليرة سورية 1.16
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
ابراهيم العرامي : كتابات الاستاذ هاشم علوي مسجل عام جامعة اب تزيدا مزيدا من العزة واكرامة ونفتخر بوجود كتاب وسياسيين ...
الموضوع :
اليمنيون يحتشدون باليوم الوطني للصمود وقادمون بالعام السابع
زيد مغير : حينما يذكر اسم الاردن امامي اتذكر مجزرة ايلول الاسود الذي قتل فيها 120 الف شاب مسلم بالاتفاق ...
الموضوع :
وزير الزراعة العراقي يستخف بعلم بلاده..!
رسول حسن..... كوفه : هم تعال اضحكك وياي جا مو طلعت ايران توديلنه انتحاريين يكتلون الشيعه جا مو واحد بعثي زار ...
الموضوع :
خلي أضحكك وياي..!
احمد الدوسري : شكرا للعاملين في المنافذ الحدودية شكرا الي الأستاذ كمال الشهم مشهود له الشجاعه والكرم.اخوكم احمد الدوسري من ...
الموضوع :
احباط محاولة تهريب اكثر من 300 مليون دولار اميركي من منفذ طريبيل
رسول حسن..... كوفه : دوله حضاريه حديثه عادله ثلاث مفاهيم الحضاره... الحداثه... العداله هل يوجد الان دوله في العالم جمعت هذه ...
الموضوع :
ألواح طينية، أصحوا يا بُكمٌ..حتى لا نكون كالذين سادسهم كلبهم..!
سيد حيدر ال سيديوشع : الوقوف الى جانب القضية الفلسطينية واجب انساني ، واجب ديني ، واجب إسلامي ضعيف من يقول غير ...
الموضوع :
هل يجب مساعدة فلسطين؟!
احمد جاسم : فساد اداري ومالي بكل دوائر الخالص وبلتعاون مع القائم مقام الضريبه كله رشاوى يله تكمل المعامله والضربه ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
رسول حسن..... كوفه : جزاك الله خيرا سماحة الشيخ الباحث الكبير في القضية المهدوية على هذه التوضيحات المهمه واكرر طلبي لسماحتك ...
الموضوع :
في منتدى براثا الفكري .... البيئة الاجتماعي وخارطة المواصلات كمحددات فاعلة لتشخيص هوية اليماني الموعود
رسول حسن..... كوفه : اما اصحاب القرار بخفض قيمة الدينار هم اغبياء او انهم يرون غباء الشارع العراقي او لا.. بل ...
الموضوع :
ردّوها إن استطعتم..مبرِّراتُ رفع سعر الدولار باطلةٌ وهذا ردُّنا
رسول حسن..... كوفه : ايران اذا هددت نفذت واذا نفذت اوجعت فديدنهم الفعل وليس الانفعال اقول مابال من يقتل ضيفهم فيهم ...
الموضوع :
وزير الدفاع الإيراني يتوعد... "سيتلقون الرد على هذا العمل الشنيع"
فيسبوك