دراسات

المنهج التفسيري لمدرسة العترة (عليهم السلام)

1327 2017-01-22

الكاتب: السيد نبأ الحمامي

لم يزل كلام الله تعالى المنزل على نبيه المصطفى  (صلى الله عليه وآله) منذ أن هبط به أمين الوحي على قلب المصطفى (صلى الله عليه وآله) محط اهتمام ذوي العقول والأفهام ، على اختلاف تخصصاتهم ومذاهبهم ومشاربهم ، مسلمين وغيرهم ، كلٌّ يغترف من هذا المعين الصافي، ويستخرج من أعماقه دررا تنتظم عقدا على جيد الفكر البشري.
وكان اهتمام المسلمين به أكثر من غيرهم باعتباره معجزاً لرسالة نبيهم (صلى الله عليه وآله) ، ودستوراً لحياتهم ، ومصدراً أول لتشريعاتهم ، وحديثَ صدق ينبئ عن أخبار من مضى ، لأخذ العبرة منه ، ونوراً يضيء لهم دياجير الحيرة والجهالة ، وبركة تشمل بنزولها مجالات حياتهم ، وشفاء لما في قلوبهم وأبدانهم ، وبهجة تزيل ما تراكم في صدورهم من هموم الدهر وصروفه. ناهيك عن كونه رافداً رئيساً لعلوم ومعارف شتى ، كان للقرآن الكريم فضله الأكبر في تأسيسها أو تهذيبها أو توسيعها ، ومن ثمَّ سارع حتى غير المسلمين من الإفادة منه ، ليس فيما يتعلق بعلوم اللغة والبيان حسب ، بل وظَّفوا علومه ومعارفه في استجلاء علوم كثيرة ، كان لها دورها الواضح في رقي الإنسانية ورفاهيتها.
من أجل ذلك تظهر الحاجة الماسة إلى علم التفسير الذي يتكفل ببيان المعنى الذي يشير إليه اللفظ القرآني. باعتباره المحطة الأولى في الرحلة الإنسانية الدؤوبة للوصول إلى جنات علومه ومعارفه ، والتقاط قطوفه ، وتناول ثماره التي لا يعتريها نقصان أو ذبول.
ومن الواضح أن التفسير القرآني لا يقتصر على بيان معنى ألفاظه التي يرخي الغموض والخفاء عليها شيئا من سدوله ، فإن كثيرا من المفاهيم والموضوعات التي يشير إليها القرآن الكريم ، لا يمكن فهمها بسهولة ، لدقتها وبعدها عن الحياة الاعتيادية التي يعيشها الناس ، كاللوح ، والقلم ، والعرش ، والكرسي ، وملكوت السماوات ، والخزائن ، وغير ذلك. فلا بد أن نستعين في فهمها على من نزل القرآن الكريم في بيوتهم ، وتشرفت ملائكة الرحمن بخدمتهم ، وأذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
فهو يتكفل – بالإضافة إلى ذلك – التنبيه على المعنى الأقرب والأظهر من بين المعاني المحتملة للفظ القرآني ، لو كان هناك معان أخرى محتملة ، وإن كان كل واحدة من هذه الألفاظ والعبارات لها ظهور في معناه. لأن قسما كبيرا من ألفاظ وعبارات القرآن الكريم له وضوح وظهور لدى الناس الذين يمتلكون مقومات اللغة الفصيحة السليمة ، وإلا لما كان (هدى للناس) أو (نور وكتاب مبين) ، أو (يخرجهم من الظلمات إلى النور) فلو لم يكن القرآن الكريم – على نحو الإجمال – مفهوما من قبل الناس ، لما أمكن أن يؤدي أهدافه ورسالته العالمية.
وفي الحقيقة إن التفسير القرآني يجمع بين الأمرين ، فهو كتاب هداية لجميع الناس ، بشرط أن يؤخذ ما فيه عن أهل بيت العصمة والطهارة ، ومن قرنهم النبي الأعظم بكتاب الله ، وأكد على عدم الانفكاك بينهما إلى يوم ينفخ في الصور بقوله (صلى الله عليه وآله)في الحديث المتواتر عند جميع المسلمين (إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثِّقْلَينِ، كِتابَ اللهِ، وَعِتْرَتي أهلَ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَفْتَرِقا حتّى يَرِدا عليَّ الحَوضَ، فانْظروا كَيفَ تُخَلِّفوني فيهِما) ([1])  وقد روي عن سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنه قال: (سُئِلَ أَميرُ المُؤمنينَ (عليه السلام) عَن مَعنى قَولِ رَسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ): إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثّقلينِ كتابَ اللهِ وَعِتْرَتي ، مَن العِترَةُ؟ فَقالَ : أنا وَالحَسَنُ والحُسَينُ وَالأَئِمَّةُ التّسعَةُ مِن ولْدِ الحُسَينِ تاسِعُهُمْ مَهْدِيُّهُم وَقائمُهُمْ ، لا يُفارِقونَ كِتابَ اللهِ ولا يُفارِقُهُمْ حتّى يَرِدوا على رَسولِ اللهِ صلّى اللهُ عَليهِ وآلهِ حَوضَهُ) ([2])
وعلى الرغم من التوسع الأفقي والعمودي فيما كُتبَ من تفاسير للقرآن الكريم ، منذ بدايات تفسيره الأولى عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ، حتى انتظم في مدارس ومناهج تفسيرية شتى: كالأدبي، والفلسفي، والأخلاقي، والروائي، والتأريخي، والعلمي وغيرها ، كلٌّ قد استوفى منه في مجال تخصصه نصيبه غير منقوص ، حتى عسر إحصاؤها عددا. إلا أن نهجاً من التفسير يبقى هو الأقرب لاطمئنان النفس وسكونها ، وهو التفسير المبتني على كلام المعصوم سواء كان بنفس آيات القرآن الكريم ، أو بمن قرنه الله بكتابه واجتباه الله وعصمه وجعله حجة على عباده ، وهم رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقد تميز المنهج التفسيري للقرآن الكريم وفق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأمور امتاز بها عن بقية المناهج والمدارس التفسيرية ، منها:
1) النظر إلى القرآن الكريم كونه وحدة لفظية وكلامية متكاملة ، بحيث يستعان في فهم بعض فقراته وعباراته بالنظر إلى فقرات وعبارات أخرى ، وهو ما يعبر عنه بـ (الوحدة البيانية للقرآن الكريم) ، فإن القرآن الكريم كما يصف نفسه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ([3]) فهو كلام واحد يعبر عن تصور متكامل للكون والحياة والدين.
2)الاعتماد في بيان التفسير الحقيقي لآيات القرآن الكريم على ما صدر عن النبي وأهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) من أخبار بيّنت المعاني لكثير من العبارات والألفاظ والمطالب القرآنية. لأن أهل البيت (عليهم السلام) هم المرجع الأمين والوحيد للرسالة والتفسير الواقعي للقرآن الكريم. فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال (وَاللهِ ما مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ في بَحْرٍ ولا بَرٍّ ولا سَهْلٍ ولا جَبَلٍ ولا سَماءٍ ولا أَرضٍ ولا نَهارٍ إلا وأنا أَعلَمُ فيمَنْ نَزَلَتْ وفي أيِّ شيءٍ نَزَلَتْ) ([4])
3) النظر إلى القرآن الكريم بأنه الكتاب المواكب لضرورات كل عصر ومتطلباته ، بما يرافق ذلك من تغيّرات فكرية ومستجدات ثقافية وتطورات علمية ، لأنه الكتاب الإلهي للرسالة الخاتمة ، والمعجزة الخالدة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). قال تعالى (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ([5])
ـــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الشيخ الصدوق ، الأمالي:616
([2]) الشيخ الصدوق ،عيون أخبار الرضا (ع):1/60
([3]) هود/1
([4]) ابن طاووس ، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف:517
([5]) يوسف /

 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1351.35
الجنيه المصري 66.49
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.31
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
منى رحيم : هل يحق لزوجة الشهيد الموظفة منح الزوجية مع وجود تقاعد لبناتها القصر فقط تقاعد ابوهن الشهيد ...
الموضوع :
نص قانون التعديل الاول لقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008
Yasir Safaa : السلام عليكم زوجتي معلمه عدهه خدمه 14 سنه وتركت العمل كانت تتمتع باجازه سنتين بدون راتب وبعد ...
الموضوع :
قانون التقاعد الجديد يمنح الموظفة حق التقاعد بغض النظر عن الخدمة والعمر
عباس فاضل عبودي : السيد رئيس الوزراء المحترم م/ طلب تعين أني المواطن ( عباس فاضل عبودي ) ادعو سيادتكم لنضر ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
Mohamed Murad : اوردغان يبحث عن اتباع وليس عن حلفاء ... ...
الموضوع :
بغداد وانقرة .. تصحيح المسارات وترتيب الاولويات
Mohamed Murad : كل من يحاول ان ينال من الحشد الشعبي فهو يكون ضمن المشروع الامريكي السعودي الصهيوني ....#بخور_السبهان ...
الموضوع :
العصائب تهدد بمقاضاة قناة تلفزيونية تابعة لعمار الحكيم بتهمة "القذف"
سعد السعداوي : كيف تطلب مؤسسة تقاعد النجف الوطنية شهادة حياة المغترب والموجود حاليا في المحافظة. فلماذا لا يحضر المتقاعد ...
الموضوع :
هيئة التقاعد الوطنية في النجف الاشرف تعاني من ضيق المكان
علي حسين الشيخ الزبيدي : الله يرحمك عمي الغالي الشهيد العميد المهندس عماد محمد حسين علي الشيخ الزبيدي أمر لواء صوله الفرسان ...
الموضوع :
استشهاد آمر فوج في الشرطة الاتحادية وإصابة تسعة من عناصر الشرطة بتفجير جنوب الموصل
حسين ثجيل خضر : بسم الله الرحمن الرحيم امابعد اني المواطن حسين ثجيل خظر من محافظه ذي قار قظاء الشطرة قد ...
الموضوع :
العراقيون المتوفين في الخارج قبل 2003 شهداء..!
اميره كمال خليل : سلام عليكم اذا ممكن سؤال ليش استاذ مساعد ماجستير ممنوع يكون عميد كليه اهليه(يعنى لازم دكتوراه حسب ...
الموضوع :
مكتب قصي السهيل يعلن تثبيت موظفي العقود في مكاتب مجلس النواب في المحافظات
Bahia : تشخيص ف الصمم اللهم اصلح .موفقين باذن الله ...
الموضوع :
ثقافة التسقيط والتخوين
فيسبوك