المقالات

عندما كنا نقلد ( الخوعي ) ..!  


إيليا إمامي  #Ailia_Emame ||

 

دعك قليلاً من انستغرام وتيك توك .. التي لن تصنع لك ذاكرة .. ولن تبني لك شخصية .. وأعطني خيالك لدقائق ..لكي  أصف لك الأجواء قبل أكثر من 30 سنة :

♦️ عشيرة تمتهن الفلاحة وتربية المواشي .. متكونة من 1000 بيت تقريباً تسكن في قرية زراعية بعيدة عن المدينة .. ولا خطوط تلفون .. ولا شبكة ماء .. و محول واحد للكهرباء يغذي المنطقة كلها .. وما هي إلا گلوب ومروحة .

يتبرع أحد أفراد العشيرة في اليوم الأخير من شهر رمضان ( وكان عمي يفعل ذلك بالعادة ) فيشد رحاله في الصيف اللاهب .. ويسافر الى النجف عبر المواصلات .. بسيارات نوعية ( أو أم ) قديمة لم تعرف التبريد في عمرها .

♦️يصل الى النجف بشفاه يابسة .. وظهر أشبعه الطريق ضرباً بحديد المقعد .

يجفف عرقه ( بشماغه ) .. يتوضأ .. ويضع ( عقاله ) في رقبته ويدخل لزيارة الأمير عليه السلام .. وبعد صلاة المغرب يتناول ما تيسر من ماء وطعام ويتجه مباشرة الى براني المرجع الأعلى ( السيد ) .

♦️ سنوات وأنا أسمع عبارة ( السيد ) تتردد في المضايف .. وببراءة الطفولة أبقى حائراً .. دون أن أعرف اسمه .. ولا أحد يريد أن يلفظ ذلك الاسم بشكل عابر .. بل يحتفظون به في صدورهم .. يقولون فقط ( السيد ) .

ومرة سمعت أحد ( الشياب ) من أقربائنا يقول السيد الخوعي .. فسألت والدي صانه الله .. فضحك وقال : يبويه چدك ما يعرفش  .. هذا السيد الخوئي مرجع المسلمين .

♦️نعود لعمي .. حيث يقبل على براني السيد الخوئي .. فيراها من بعيد وقد ازدحم الناس في الزقاق الضيق أمامها .. ينتظرون الخبر .

يقول العم :  كان يدخل بعض الشهود ويخرج غيرهم .. ونحن ننتظر ونراقب .. وبين حين وآخر يخرج إلينا سيد أو شيخ صبيح الوجه مهيب الطلعة .. فيقول :

 ( السيد يتثبت من الأمر ويتأكد وسنخبركم بما يصل إليه رأيه الشريف .. نحن نستمع للشهود ونتصل ببقية الدول ونعلمكم بالنتيجة ) وكان الاتصال بالخطوط الأرضية حينها.

♦️وقبل أن يحل منتصف الليل يكون الأمر قد حسم .. ويعلن السيد رأيه .. وقد يشاهد المقلدون الهلال في أمريكا .. أو كندا .. أو البرازيل .. بلافرق لدى سماحته .. لأنه من القائلين بوحدة الأفق .. فإن ثبت عندهم ثبت عندنا مع الاشتراك في الليل .. وحيث أن البلدان الغربية تتلونا في وقت الليل فيكون الهلال قد كبر أكثر عندما يحل ظلامهم .

♦️ يبقى عمي في الصحن الشريف حيث لامواصلات تعيده في الليل .. يغفو قليلاً ثم يستيقظ لصلاة الفجر  .. ومع أول خيط للصبح المسفر .. يتجه الى الكراج ويعود إلينا بأسرع ما يمكن .

♦️ لازلت أتذكر إحدى تلك السنوات .. وكنت جالساً مع صديقي عند باب المضيف القصب .. ممتنعاً عن الانخراط في لعبة ( الحيده ) مع جماعتي .. حفاظاً على ( دشداشتي ) الجديدة .. فهي المخصصة ليوم العيد الموعود .. وتعتبر مسألة أمن قومي .. ولا يمكن التهاون في الحفاظ على نظافتها من التراب أو الشاي أو ماء اللحم .

♦️ وأقبل عمي يحث الخطى ولاترى خلفه إلا تطاير التراب من نعله وأطراف ثوبه  .. حيث تنزله السيارة بعيداً عن بيوت العشيرة بمسافة 3 كم تقريباً ..  وأركض نحوه متأملاً أن لايضيع لبس الدشداشة سدى .. فيبتسم ويقول : عيد .

♦️ يبدأ السلام والتهاني عندها .. ويبدأ شرب الماء وتحضير الافطار بأسرع وقت ممكن .. وترى النساء والرجال يتراكضون .. هذا يفرش مضيفه .. وذاك يذبح خروفه المنذور .. وتتصاعد أعمدة الدخان من البيوت .. إيذاناً بغداء يوم العيد .. أما صلاة العيد ودعاء الندبة وزيارة الحسين عليه السلام .. فلم تكن ثقافة شائعة في ظل حكومة البعث الصدامي .. وكل الذي استطعنا الحفاظ عليه هو الولاء لأهل البيت .. وطاعة العلماء وافتداء كلمتهم .

♦️ كان ذلك في عصر مرجع يذهب في رأيه الفقهي الى ( وحدة الأفق ) .. وبعد أن انثلم الاسلام برحيله ( وأتذكر يومها دخول خالي ناحباً باكياً لاعناً لصدام بينما كنت أنا ألعب الدعبل ولا أشعر بفقد ( السيد ) .. ذهب رجال العشيرة الى النجف لمعرفة من يقلدون .. ثم رجعوا وهم يقولون ( السيد السبزواري ) وكنت حينها أتوهم وأسميه ( الشيرازي ) .

وبعد رحيله قدس سره .. ذهب والدي الى النجف وعندما رجع سمعته يخاطب عمي : إحنه نضل عله تقليد السيد .. وبالمستجدات مرجعنا السيد السيستاني .

♦️ وبالتدريج أصبحت كلمة ( السيد ) تطلق على السيد السيستاني .. ولكن لاحظنا أنه يتأخر دوماً في إعلان العيد .. وعندما حان شهر المحرم وجاء ( المومن ) سأله رجال العشيرة عن ذلك فقال : رأي السيد يختلف .. ماله شغل بأمريكا .. أبو أمريكا يعيد گبله .. وإحنه نعيد گبلنا .

♦️ والله ما سمعت يومها اعتراضاً .. أو نقاشاً .. وكانت النفوس مطمئنة .. والقلوب راسخة .. وإذا قال سيد النجف ( السيد ) فلا ثاني لكلامه .

♦️ هذا حال عشيرة متواضعة لم تشهد عصر العولمة .. ولم تتعلم في زمن الانفجار المعلوماتي وسهولة الاتصال وتحصيل البيانات ..

وكانت عشيرة لم تلوث نفوسها وأفكارها تشكيكات قطاع الطريق الى الله .

♦️أفلا يخجل المتعلمون ؟ أن يناقشوا مسائل مثل

( ليش ما يتفقون ) وكأن الرأي الفقهي بالاتفاقات والانتخابات !!

أو ( الهلال كبير ) وكأن الفقيه هو القابلة التي أولدته !!

ولايعرفون الفرق بين وحدة الأفق وتعدد الأفق .. ولا بين الولادة والخروج من المحاق والرؤية .. ولا بين البلدان المشتركة في جزء من الليل وغير المشتركة ..

♦️ إنهم بعيدون جداً عن هذه التفاصيل .. قريبون من الفوضى الفكرية وعدم الشعور بالاستحياء والخجل من التكلم في غير اختصاصهم .. فلا هم بثقافة أهلي أصحاب الريف البسطاء .. ولا هم أصحاب اختصاص فيما يتكلمون عنه .

♦️ وأختم بقول ( ليس من الصعب أن تضع يدك على فم الثرثار وتغلقه .. إنما الصعب أن تضع فهمك في رأسه لتفتحه .. لكي يشعر بمدى جهله وسخافة رأيه .. فيتوقف عن الكلام )

ـــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1351.35
الجنيه المصري 74.46
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
مهيمن سامي العيبي : السلام عليكم كنت سابقن في لواء علي اكبر تحت قيادة لواء عبد الكريم الحسناوي في بيجي معارك ...
الموضوع :
تشكيل لواء علي الأكبر والبطولات التي سطرها ضد كيان “داعش” التكفيري
جاسب علي : وهناك سفارات تحوي على عدد من ازلام السابقين واتباع صدام كانوا يخدمون في المخابرات مثل المخضرم علي ...
الموضوع :
طلب برلماني بغلق السفارات والبعثات للدول التي ليس لديها تمثيل دبلوماسي في العراق
قاسم محمد : المحافظات المسموح بها التظاهر والتخريب هي محافظات الوسط والجنوب اما غيرذلك فغير مسموح به ذلك قرار السفارة ...
الموضوع :
كيف أتفق متظاهرون على إقالة 9 محافظين من بغداد الى البصرة؟!  
قاسم محمد : الى السيد الكاتب المحترم مصطفى الكاظمي ليس من اهالي الكاظمية هو بالاصل من الناصرية مع احترامنا لكل ...
الموضوع :
إصبع على الجرح ـ ماذا يحصل ايها الكاظمي ..  
زيد مغير : استاذي الكريم مع اجمل تحياتي اليك وانا اقرأ مقالك الرائع مررت بالقائمة العراقية واتذكر موقف اياد علاوي ...
الموضوع :
عبيد صدام حقراء وأراذل القسمين الاول والثاني  
ضياء عبد الرضا طاهر : هذه المفاوضات هي لتثبيت العدوا الامريكي وحلفائه وهي نوع من انواع الخداع الذي يمارسه هذا العدوا المجرم ...
الموضوع :
المفاوضات الامريكية العراقية ملاحظات وحقائق  
عبدالله : خوش مقال👏 ...
الموضوع :
إغتيال الذاكرة الشيعية ..في العراق
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,,,بارك الله فيك سيدنا المحترم ,,عن رسول الله صلوات الله عليه واله ...
الموضوع :
الشاهد الشهيد
مازن عبد الغني محمد مهدي : اللهم نسألك ونتوسل اليك بحق الرسول ابو القاسم محمد والله الاطهار المطهرين ان تصلي على محمد وال ...
الموضوع :
مكتب الامام المفدى السيد علي السيستاني يوجه رسالة الى العراقيين بعد تزايد اعداد المصابين بكورونا
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,,اللهم صل وسلم على الرسول الاعظم ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
فتح جديد لايران!!  هسه ينجلط المضغوطين  
فيسبوك