جمال العسكري
الترديد والتشكيك سمتان موغلتان تاريخيا في الطبيعة البشرية، والجديد في الامر بروزهما بشكل لافت في القضية الحسينية هذه الايام على الساحتين الاجتماعية والفكرية وربما نقول الساحة الفكرية مجازا، حتى انك لاتجلس مجلسا عاشورائيا الا واثيرت الشكوك والشبهات حول النهضة المباركة، ولعل سبب التفشي لهذه الظاهرة بطريقة غير معقلنة يكمن في مساحة الحرية التي ننعم بنسيمها العذب وافقها الرحب في هذه السنين.
وفي تقديري ان اهمال هذان الامران ينم عن تصرف لائق، لان المساحة التي يتحركان فيها هي مساحة شد وجذب تتفاعل فيها ثقافة المتلقي ومزاجه والمصدر الذي يتغذى منه المتناقشان، وعليه فأن الجري في هذه المساحة لايعدو كونه جريا الى الوراء.
الذي يهم في المحل، طرح السؤال التالي والاجابة عليه، واكيدا ان هذا التساؤل الذي ننوي طرحه هو لسان حال اغلب المتلقين ان لم يكن جميعهم، لكن الاجابة على هذا السؤال تتمثل برؤية فردية قاصرة لصاحب هذه الكلمات.
السؤال المطروح هو: ماسر خلود قيم النهضة الحسينية من زمن الواقعة حتى زماننا الحاضررغم تعاقب الثورات ؟؟
والاجابة على هذا التساؤل تكمن في امرين متلازمين الثاني يخلد الاول ويعطيه زخم البقاء.
الاول: ان القيم التي نهض الامام الحسين من اجل اشاعتها في المجتمع الاسلامي هي قيم تتسم بالثبات المجتمعي، طبعا الثبات المقصود ليس هو الثبات العلي الفلسفي الارسطي انما المقصود الايمان والاجماع البشري على حسن وخيرية وصدق هذه القيم، كالتضحية في سبيل المبدأ مثلا او الاقدام في معركة استراتيجية مفصليةانتصارا للحق يعلم فيها المتقدم ان الموت نتيجته الحتميةوغيرها من القيم المتجسدة في ذلك القيام.
الثاني: ان خلود هذه القيم واستشعار الجماعة لمداليلها مع تعاقب العصور يكمن بالثورية التي حقنت بها هذه القيم والتي اجج اركانها وبعث فيها هذه الروح الثورية الامام الحسين عليه السلام، لذلك اصبحت هذه الثنائية -القيمة، الثورة- تتبادر الى ذهن المتلقي وكأنها شيئا واحد صنعه وجسده الحسين ومن معه من ملائكة الانس، اذن هناك قيم ومبادئ خرج لاجلها ولكن الامام لم يترك الجمود والجفاف يعلو هذه القيم انما شحنها واوقد فيها روح الثورة، وربما هذا العمل الحسيني يعد احد الفوارق بين خلود الثورات وانحسارها.
تبقى ان الثورة المتجسده في القيم التي ناضل ونافح وكافح واستشهد في سبيلها الحسين بحاجة الى تعليل يضمن لنا تلقيها في كل سنة من المحرم بشغف واشتياق وحزن متجدد، اقول وربما هو ظن ولكنه ظن يساهم ولو بقراءة مجتزءة عن هذه النهضة التي الهمت الاحرار على مسار التاريخ، اقول ان الامر يكمن في الحماسة المتصلة بعادات وثقافة المجتمع، بمعنى اخر ان هذا المركب التاريخي المتكون من القيمة+ الثورة قد الهبته حماسة الشعوب واعطته من عاداتها وثقافتها الشيء الكثير. بمعنى اخر ان هناك عنصر ثالث دخل في هذا المركب الانساني الخالد الا وهو عنصر الحماسة، الا ان هذا العنصر لايتسم بالثبات،انما ياخذ لهيبه ووهجه من ثقافة المجتمع وعاداته وبما ان ثقافة وعادات وتقاليد الشعوب متحركة ومتحولة فان هذه الحماسة ايضا متغيرة، وعليه فان هذه الحماسة تضفي معنى الجده والمعاصرة على قيم الثورة الخالدة ويحصل الثاقف بين مبادئ النهضة والمجتمع تأثرا وتأثيرا.
https://telegram.me/buratha
