دراسات

التنمية البشرية في الوصف القرآني للإنسان الصالح ( الرسالي )؟.


د. سعد سادر الدراجي / باحث

S_saad72@yahoo.com

لقد تناول القران الكريم جميع جوانب وخصائص الحياة الانسانية، ووجد الحلول للمشكلات، وواكب التطور الحاصل منذ نزوله على نبينا الاكرم (صلى الله عليه واله) الى يومنا الحاضر، - حتى يوم القيامة- وخصوصا فيما يخص الشخصية الانسانية وتنميتها وتطويرها، لان الباري سبحانه كرمه على باقي المخلوقات، ونذكر هنا بعض الصفات والخصائص التنموية للانسان الصالح (الرسالي ) الذي يريده لنا القران الكريم، والذي يساهم في بناء المجتمع الاسلامي والانساني وفق المنهج القراني، ووفق ما اراده الرسول الكريم (صلى الله عليه واله) والائمة الاطهار(عليهم السلام)، ومن هذه الصفات او الخصائص التي طرحها القران الكريم للانسان الرسالي الصالح ما يلي :-

1- المحتوى الداخلي للإنسان الصالح: يشكل الفكر والإرادة الركنين الأساسيين في المحتوى الداخلي الشعوري للإنسان، وان المزج بين الفكر والإرادة هو الحاكم في حركة الإنسان صوب غايته وأهدافه، وان التغيير الذي يحصل في هذا المحتوى الداخلي للإنسان هو الضروري والكافي في كافة التغيرات المطلوبة لتحقيق التنمية ، ويشير القرآن إلى ذلك في آيات عدة تقرر كل منها جانب من هذه الحقيقة ففي قوله تعالى:( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) ،إشارة إلى إن التغيير يبدأ من المحتوى الداخلي للإنسان، أما قوله تعالى:( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ،وكذلك قوله تعالى:( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، في هذه الآيات تصريح بأن الإنسان كائن حر الإرادة، وان الإرادة هي نقطة انطلاق في السلوك الإنساني.

أما من ناحية الفكر فقد كان خطاب القرآن الكريم دائما موجهه إلى من يسميهم (بذوي الألباب) دلالة على إن الفكر هو الجانب من المحتوى الداخلي الذي تريد إن تربيه السماء عند ممارسة دورها في بناء الانسان الصالح الذي هو شرط التنمية الأساس، وورد مخاطبة ذوي الألباب في آيات عديدة منها قوله تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .

2-المثل الأعلى للإنسان الصالح: يعد القرآن المثل الأعلى المنطلق الأساس لبناء الإنسان الصالح، فالمثل الأعلى يمثل المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسان الصالح، - وكذلك هو بالنسبة للمجتمع الإنساني- بوصفه وجودا كليا بماهية خاصة، إذن نقطة البدء في بناء الإنسان الصالح ( الرسالي) هو المثل الأعلى، فالمثل الأعلى يحدد الغايات والأهداف على المستويين الكلي والجزئي، وبوصف إن المثل الأعلى مرتبط بالرؤية العامة إلى الحياة والكون - وهو يتحدد لكل جماعة بشرية على أساس من ذلك-، فأن القرآن الكريم يعد المثل الأعلى للإنسان والمجتمع الإنساني هو (الله تبارك وتعالى) حيث يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) ، بوصف إن المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه وهو الصانع لمسار الإنسان في حركته، كما إن الكمال الذي هو طريق وصول الإنسان لغايته يتمثل بأعلى درجاته في الذات المقدسة .

فالاية القرآنية السابقة خاطبت الانسان الصالح بان مثله الاعلى هو الله سبحانه وتعالى، وان طريق الوصول اليه هو العمل الصالح الدؤوب وان حركة هذا الانسان صوب المثل الاعلى يجب أن تكون بوعي وشعور بالمسؤولية وعبر المنهج الذي يرسمه المثل الاعلى ذاته أو تقتضيه طبيعة هذا المثل الاعلى، وهنا يقدم القرآن شروطا لتبني الانسان الصالح والمجتمع الصالح للمثل الاعلى الحقيقي وهو الله جل شانه، وهذه الشروط تمثل أساسا لعقيدة الانسان الصالح والقوة العقيدية الروحية الدافعة له في مسار التكامل، وتمثل وتتمثل هذه الشروط بأصول الدين،فـ(التوحيد) وهو الشرط الأول يمثل الرؤية الفكرية والأيدلوجية الواضحة عن الله سبحانه المثل الاعلى الحقيقي، فعقيدة التوحيد تعلم الانسان الصالح أن يتعامل مع صفات الله وأخلاق الله بوصفها مؤشرات على طريق التكامل، وكذلك بوصفها رائدا عمليا وهدفا للمسيرة والأصل الثاني من أصول الدين وهو (العدل) هذا الأصل الذي ينعكس في مدلوله على حياة الانسان الصالح في حركته التكاملية في منهجه التنموي، ينعكس من خلال كونه معيار في المفاضلة والاختيار والاصطفاء وهو المصفاة ذات الضرورة القصوى لكل منهج تنموي .

أما الأصل الثالث وهو (النبوة) فهي تمثل الصلة الموضوعية بين الانسان وبين المثل الاعلى، فالأنبياء هم التطبيق الحي الواقعي للنموذج الأكمل للإنسان الصالح وتمثل مسيرتهم تطبيق واقعي لكيفية اقتداء الانسان الصالح بالله تعالي كمثل أعلى، أما (الإمامة) وهي الأصل الرابع فهي تلك القيادة التي تندمج مع دور النبوة فالنبي امام ايضا، اما الامامة التي لا تمتلك صفة النبوة فهي امتداد للنبوة بكامل صفاتها باستثناء الوحي، فهي تجسيدا لانموذجها على المدى الطويل وخصوصيتها في العلاقة مع المثل الاعلى هي انها تتكفل بتربية اجيال متعددة تربية مستمرة على منهج المثل الاعلى .

واما الاصل الخامس وهو(المعاد) فهو يمثل المصدر للطاقة الروحية الدافعة تجاه الفعل التكاملي، أي القوة الدافعة لعملية التنمية والتي تجدد طاقة الانسان وقدراته بوصفها انها تربط العمل بنتائج لانهائية، نتائج وارباح عظيمة تتحقق في الحياة الاخرى، وبالتالي تمديد المدى الزمني للمنافع الى حدود لامتناهية حيث ان دالة المنافع الاجتماعية تتمدد على المدى الزمني للحياتين (الدنيا والاخرة)، وهي البوتقة الكفيلة بأذابة كافة الانانيات، وتحويل المنافع العامة الى صيغة من صيغ تجسيد المنافع الخاصة، وهو التعبير الوحيد عن حالة التوافق بين المنافع العامة والخاصة.

3- الانسان الصالح (الرسالي ) والعمل الصالح: فالانسان الصالح احد اهم صفاته انه لا يعمل الا صالحا، وبكلمة بديلة هو الانسان الذي لاينتج عنه تلقائيا _ وبحسب محتواه الداخلي _ الا العمل الصالح، فالعمل الصالح هو صفة السلوك العام لهذا الانسان الذي يستهدفه القرآن، ومن خلال ما تقدم يمكن القول ان للقران الكريم الدور الاكبر في صياغة خصائص شخصية الانسان الرسالي الصالح، وبناء هذه الشخصية على اساس متين ومتوازن عملت على تنمية موارده وامكاناته المادية والمعنوية ليكون عنصرا فعالا في المجتمع، وله تاثير على محيطه الداخلي والخارجي .

 

- السبحاني، جعفر، العقيدة الاسلامية على ضوء مدرسة اهل البيت، ص29.

- سورة الرعد/ الاية 11.

- سورة الانسان / الاية 3

- سورة الكهف / الاية 29

- الصدر، محمد باقر ، المدرسة القرآنية، ص119 وما بعدها.

- سورة ال عمران / الاية 191

- سورة الانشقاق / الاية 6

- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص153

- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، مصدر سابق ، ص154

- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، مصدر سابق، ص155

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري