دراسات

الخطاب الإلهي وحرية التعبير(4)

1037 2021-11-25

  د.أمل الأسدي ||   🔴  الأنموذج الخامس: حوار الله تعالی مع الرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله) ومادمنا بصددِ تتبعِ الخطاباتِ الحواريةِ الصادرةِ من اللهِوعزّ وجلّ إلی الملائكةِ والأنبياءِ، وتحليلِ هذه الخطاباتِ التي جسّدت الصورةَ المثلی لحريةِ التعبيرِ، وقبولِ الآخرِ، وحسنِ الاستماعِ،وشفافيةِ الحوار، فهي خطابات تؤدبُ الإنسانَ وتربيه علی التحضرِ والتمدنِ والتعاملِ بلينٍ مع الآخر،ولاسيما  من هو أعلی مقاما وأجلُّ شأنا! مادمنا بصدد ذلك سنتطرّق الآن الی مشاهدٍ حوارية بين اللهِ تعالی  ورسولهِ الأعظمِ (محمد بن عبد الله) ،وقبل البدءِ أودُ أن ألفتَ نظرَ المتلقي إلی أننا نختصُ بذكرِ المشاهدِ الحواريةِ وحسب، وليس وظيفتُنا هنا متابعةَ الخطاباتِ القرآنيةِ  العامةِ الموجهةِ الی الرسولِ الكريمِ،وهي خطاباتٌ تتوزع مابين  الخطابِ  الموجهِ للرسولِ نفسهِ والخطابِ الموجهِ للأمةِ عن طريقهِ،فتارةً يكونُ بصيغةِ الأمر(قل، اقرأ) والنهي وتارةً يكون بالضميرِ المخاطَبِ أوالغائبِ، فالقرآنُ الكريم كتابٌ مُنزَلٌ من اللهِ تعالی علی رسولهِ الأعظمِ، وهو دستور إلهيّ ،وعلی هذا من الطبيعيّ أن تكثرَ فيه الخطاباتُ من المرسِل(جلّ وعلا) إلی المتلقي(الحبيب المصطفی)، ولكي تتضحُ حريةُ التعبيرِ في المشاهدِ الحواريةِ بين اللهِ ورسولهِ،نحتاجُ الی حوارٍ فعّالٍ ليبيَّنَ العمليةَ التواصليةَ، ولايوجدُ مشهدٌ يجسِّدُ ذلك،مثلَ الحوارِ الذي جری بين الله ورسوله في الإسراءِ والمعراجِ، وهي حدثٌ راسخٌ في ذهنيةِ المتلقي  المسلمِ، ومتفقٌ عليه سوی الاختلاف في بعض الجزئياتِ وبعضِ التفاصيلِ الزمانيةِ والمكانيةِ، قال تعالی:((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) سورة الإسراء،الآية:١ وقال أيضا:((ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ۞فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنی ۞فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ۞مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَى ۞ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ۞وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ۞عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ۞ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ۞ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ۞ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ۞ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى )) سورة النجم،الآيات:٨-١٨  وهذه الآيات تبين أطلسَ الرحلةِ التي سلكها رسولُ اللهِ الأعظمُ،وفي خضم هذا المشهدِ الملكوتيِّ دار حوارٌ بينَ اللهِ تعالی وحبيبهِ القادمِ إليهِ،فحين وصلَ الرسولُ إلی السماءِ السابعةِ حيثُ سدرة المنتهی،وحيثُ المقام الذي لم يقف فيه أحدٌ من قبل، وحتی (جبرئيل)انسحب ولم يستطع أن يتقدمَ خطوةً واحدةً!!  هنا نودي الرسولُ:  يامحمد،فخرّ ساجدا  وقال:لبيّكَ  ربَّ العزةِ لبيّك يامحمد:ارفع رأسكَ،وسلْ تعطَ،واشفعْ تُشَفَّعْ،يامحمد،أنتَ حبيبي وصفييّ ،ورسولي إلی خلقي،وأميني علی عبادي. ـ يامحمد ـ لبيك ربي وسيدي وإلهي لبيّك ـ  يامحمد،هل عرفتَ قدركَ عندي ومنزلتَكَ  وموضعك؟ ـ نعم ياسيدي ـ  يامحمد، هل عرفتَ  موقعكَ مني وموضعَ ذريتِكَ؟ ـ نعم ياسيدي ـ فهل تعلم يامحمد،فيما اختصم الملأُ الأعلی؟ ـ يارب، أنت أعلمُ وأحكمُ وأنت علّام الغيوب ـ اختصموا في الدرجاتِ والحسناتِ ـ أنتَ أعلم ياسيدي،وأحكم ـ إسباغُ الوضوءِ في المكروهات،والسعي علی الأقدام إلی الجُمعات ومع الأئمة من ولدك،وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ،وإفشاءُ السلام،وإطعامُ الطعامِ،والتهجدُ بالليل والناس نيام، ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ)) ـ نعم ياربِّ((وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) ـ صدقت يامحمد((لايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)) - ((رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) [سورةالبقرة:الآيتان:285-٢٨٦] - ذلك لك ولذريتك يامحمد  [ ينظر بحار الأنوار،المجلسي:١٨/ ٥١٦ -٥١٩] هنا توقف عزيزي المتلقي، فالحوار ملكوتيٌّ أخضرُ، يضجُّ أدبا وذوقا وخُلقا، ويعكسُ كرما ومحبةً ورفعةً ومقامًا لم  يصلْ إليهِ نبيٌّ أو ملَكٌ، هنا الحوارُ مختلفٌ، والعملية التواصلية مختلفةٌ،ترحيبٌ من الباري جلّ وعلا، يردُّ عليه المصطفی بالسجودِ ! فيناديه اللهُ أن ارفع رأسك وتحدث، اطلبْ ما شئت تعطَ!! فالحوار تجلٍّ  لقوله تعالی: ((وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) سورة القلم،الآية :٤   فعلی الرغم من لينِ الخطابِ ،وعلی الرغم من الحفاوة،وعلی الرغم من النداءاتِ المتكررةِ باسم الرسولِ والتي جسدت حالَ التقربِ والتلطفِ  والتحبب والاهتمامِ من الله تعالی بحبيبه المصطفی،  إلا أننا نجد أن الرسولَ الكريمَ يختارُ طريقا مثلی للرد، مختزَلة ومكثفة،وفي أعلی درجات الأدب والخُلق والذوقِ والإيمان واللياقة، فلم يجتهد ويطلبُ لنفسهِ وأهلهِ،ولم يرد إلا علی مقدار السؤال! وفي هذا المحتوی يتضح معنی حرية التعبير حقٌ ومسؤولية، ويتبين التنظيم والتقنين لحرية التعبير،فلا إفراط ولاتفريط! لا أنا مغمورة ولا أنا متورمة، بل توازن وحكمة وشجاعة واعتدال يحفظُ شخصيةَ الإنسانِ ويضمنُ حريتَه التي وهبها الله له،الله الذي قدم دروسًا واضحةً لتربية عبادهِ،والسعي الی السمو والرقيّ في سلوكنا وفي حوارنا مع الآخر،فلابد من قناعةٍ تامةٍ بأن الإنسانَ لايكتملُ وجودُه إلاّ بوجود أخيه الآخر! إذن، حرية التعبير سلوكٌ حضاريٌّ وحقٌّ مشروع، إلاّ أن كلَّ المفهوماتِ الأخلاقيةِ والمصطلحاتِ القيميةِ تظل  عائمةً مبعثرةً ما لم يوجدْ وعاءٌ قانوني جامعٌ مانعٌ يضمنُ تحقيقَها وإنزالَها حيز التطبيق، وعلي لابُد من استلهامِ مضامينِ حرية التعبير الواردةِ في القرآنِ الكريمِ، وجعلها نصوصا قانونيةً مُلزِمةً للجميع، ذلك خيرٌ من البحث عن قوانينَ غريبةٍ عن جسدِ حياتِنا الواقعية بكلِّ مفاصلها.
اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاكثر مشاهدة في (دراسات)
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1639.34
الجنيه المصري 92.85
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
محمد الهندي : هم من يحكم العراق ويسرقه بالاتفاق مع الاخوه الاعداء وساستنا تبارك لهم ذلك ...
الموضوع :
العرداوي: ترشيح زيباري لرئاسة الجمهورية تجاوز على القانون والدستور
ابو محمد : احسنت واجدت فقرة مرض الولد عشتها شخصيا قبل ايام وكما وصفت بالضبط والحمد لله على كل حال. ...
الموضوع :
من قال أن الرجال لا يبكون .؟!
احمد سواعد : يعطيكم العافيه ...
الموضوع :
وفاة أم البنين (عليها السلام )
حسن : السللم على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين السلام على أبا الفضل ...
الموضوع :
من كرامات الإمام الحسين صلوات الله عليه: اين ذهبت الغدة السرطانية؟قصة معاصرة حقيقية بكل حرف من حروفها
الحاج هادي العكيلي : السلام عليكم .. بالنظر لاهمية محاضرة الشيح جلال الدين الصغير في توضيح الامور وخاصة من الجانب السياسي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن سنة صاخبة تتماوج بين الاحداث وآثارها وبين علامات الظهور ودورها
ابن الاعظمية : الكابتن الاسطورة حسين سعيد ابن الاعظمية البار فهو من مواليد الاعظمية وجاري تبا وتعسا وبغضا لمن يعاديه ...
الموضوع :
حسين سعيد الفلسطيني البعثي ماذا لو كان عراقياً
مازن : إلى جهنم و بئس المصير لعنه الله على كل البعثيين و الصداميين الاوباش ...
الموضوع :
وفاة ابن خالة الطاغية المقبور صدام حسين ومرافقه الاقدم المجرم ارشد ياسين
كرار حسان : عشيرة بيت عوفي وهي عشيرة من أحد عشائر البوبخيت المهمة يراسها في الوقت الراهن الشيخ حسن ناجي ...
الموضوع :
«مسلم» الوحيد بين 600 طفل من «بيت عوفـي» فـي البصرة يقطع 15 كلم ليواصل تعليمه
محمد سعيد : مقالكم جميل حياكم الله ووفقكم أتمنى لكم دوام التوفيق ...
الموضوع :
هل ينجحون اليوم بما فشلوا به في الأمس..
Majeda Khalil : رحم الله والديكم والله يقضي حوائجكم بحق صاحب السجدة الطويله الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك