دراسات

الفساد خطر يتهدد الأمن القومي


 

د. سيف الدين زمان الدراجي ||

 

 باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي. رئيس منظمة المدى للتطوير والدراسات الإستراتيجية.

 الحلقة الخامسة عشر

 الأُمة التي تُحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل، تمتنع فيها أسباب الفساد. عباس محمود العقاد.

 

تواجه الدول تحديات كبيرة من أجل الحفاظ على أمنها الداخلي وتَبَنّي سياسات خارجية تتوائم وإستراتيجياتها الداعمة لمرتكزات أمنها القومي.

يُشكل الفساد خطراً كبيراً على الأمن القومي لما له من تأثير سلبي وتداعيات خطيرة وطابع تخريبي على البيئة السياسية والأجتماعية والعسكرية فضلا عن التنمية الأقتصادية للدولة ومكانتها ضمن المنظومة العالمية والمجتمع الدولي.

يُقصَد بالفساد في معاجم اللغة بمعنى ( فَسَدَ) ضد ( صَلُحَ) ويُقال فَسَدَ الشيء أي بَطُلَ وإضمحلَّ. ويأتي التعبير على معانٍ عِدة بحسب موقعه.

إن في تعريف الفساد إصطلاحاً إتجاهات مختلفة، تتفق جُلها على أنه " إساءة إستخدام السُلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص".

إن أمن الدول ومكانتها ضمن مُحيطها الدولي والأقليمي لايعتمد فقط على ماتقوم به من أجل الحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها وإستقلالها فحسب، بل وعلى قُدرتها على الإستمرار في دعم وتعزيز وتوفير الإحتياجات الأساسية والمصالح الحيوية لشعوبها وقمع قوى الفساد وتفكيك شبكاته وعناصره الداعمة والمُتستِّرة والمسؤولة عن إنتشاره وتناميه داخل حدود الوطن وخارجه.

يُغذي الفساد الصراعات الداخلية ويُزيد من فُرص التخندُقات خلف كانتونات ومجاميع تٌمَهِّد لنزاعاتٍ ذات أبعاد دولية وإقليمية، نتيجة لتفشي الفقر وتنامي الشعور المجتمعي بالظلم والقهر، وإرتفاع مُعدلات البطالة وتشويه القيم والمبادئ الأخلاقية، وإرساء قواعد فاسدة تدفع بالمسؤولية لمن لايمتلك معايير الإضطلاع بها وفق مفاهيم؛ المحسوبية والمنسوبية وبيع الذمم، ونهب الثروات وتقاسمها بين فئات مُتَنَفِّذة تَمتَلِك السُلطة والسِلاح والشرعية.

إن تفشي الفساد وهشاشة الأنظمة السياسية الغارقة فيه، يفتح الباب أمام إزدياد التدخلات الخارجية ودعم التنظيمات الإرهابية والخلايا التخريبية وعصابات الجريمة المُنظَّمة، وتهدد التماسُك المُجتمعي وتُزَعْزِع الثقة بالمؤسسات الحُكومية وتُربِك الجُهود الأمنية والعسكرية، وتُقلل من مواردها التي تُمكنها من القيام بواجباتها الوطنية، وتُشغلها بأمورٍ خارجة عن نطاق مهامها المُناطة بها، وتُدخِلها في حلقة الصِراع المُفرغة التي تدور حولها رحى الخلافات والإتهامات التي تتبادلها الأطراف والكيانات المختلفة ضمن واقع التنافس الشرس و غمار المعترك السياسي المحموم.

تولي الدول إهتماماً كبيراً لقضايا الفساد عند إتخاذ قراراتها بشأن سياساتها الخارجية والدفاعية، بالإضافة الى مصالحها الإقتصادية المُتعلقة بجلب الإستثمارات المباشرة أو إيجاد الأماكن المناسبة للإستثمار بُغية تقييم الكُلَف قِبالة المنافع، وتحديد الفُرص قِبالة التحديات.

كما تسعى الدول لاسيما تلك التي تهدف إستراتيجيات أمنها القومي الى تعزيز عناصر قوتها الوطنية من جهة، ومُحاولة فرض سياساتها الموجهة بإستخدام أدوات قِواها الناعمة والخشنة من جهة أخرى، الى تحليل المخاطر وتحديد البُلدان لاسيما تلك التي يُشَكِل الفساد بالإضافة الى عوامل أخرى تهديداً يُعرض أمنها وإستقرارها ورفاهية شعوبها للخطر، وبالتالي يسهم في تفاقم التهديدات المُزعزعة للإستقرار الدولي ويُقلل من فُرص الإنفتاح؛ السياسي والإقتصادي والثقافي والإجتماعي، ويُضعف أو يقوض مقومات نجاح وتعزيز الشراكات الأمنية والعسكرية لاسيما الإستخبارية منها.

لقد أعربت الأُمم المتحدة عن قلقها بشأن " خطورة مايطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على إستقرار المجتمعات وأمنها، مما يوهٍن دور المؤسسات الديمقراطية ويهدد قيمها، ويُعرِّض التنمية المُستدامة وسيادة القانون للخطر"، وهو ما دفعها الى صك قانون دولي لمكافحة الفساد إستناداً لقرار الجمعية العامة المرقم 58/4 المتمثل بإتفاقية مكافحة الفساد التي دخلت حيز النفاذ في العام 2005. كما حددت يوماً دولياً لمُكافحة الفساد في 9 كانون الأول من كل عام.

لقد أصبحت قضية مكافحة الفساد واحدة من أولويات إستراتيجيات الأمن القومي، فضلاً عن الوطني، لما لها من أبعاد وتأثيرات وإنعكاسات داخلية، وجذور إقليمية ودولية. لذا وفي ضوء ماتقدم، لابد من التأكيد على أن نتاج البيئة الضعيفة لدول تُعاني من تفشي لظاهرة الفساد داخل مؤسساتها، هو تهيئة أرضية مُناسبة لبناء مواقف دولية وإقليمية مُتأثرة بتدخلات خارجية وسياسات مفروضةمن قوى أجنبية، لإتخاذ قرارات مهمة في إتجاهات لاتتوافق والمصالح الوطنية. الأمر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف، الى إنعدام الثقة بمٌجمل النظام السياسي والإنقلاب الكُلي على أفراد الطبقة الحاكمة، والذي قد يكون في أحسن الأحوال إنقلاباً ابيضاً أو/و عبر الطُرق الديمقراطية - إن كانت شعوب تلك الدول محظوظة- والإ فإن الفوضى وإنعدام الأمن هو السيناريو الأكثر إحتمالاُ في مثل هكذا مواقف ونتيجة لهكذا تداعيات.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1492.54
الجنيه المصري 76.22
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.83
التعليقات
Mustafa : الى رحمة الله ربي يعوضه الجنة ويصبر اهله وينتقم من القتلة المجرمين ...
الموضوع :
تشييع المستشار في الداخلية اللواء سحبان الوائلي
حوبة : ونسمي نفسنا دولة !! ومن نذكركم انراعي الدبلوماسية ونختار عباراتنا بدقة لان ندري همجيتهم وين اتوصل !!!!! ...
الموضوع :
هكذا اصبح البرلمان العراقي بعد دخول اتباع التيار الصدري ( تقرير مصور )
مواطن : هو هذا مربط الفرس مشتت بي مكر البكر وشر صدام ...
الموضوع :
حركة حقوق: الكاظمي يخطط لتغييرات سياسية وأمنية بالتواطؤ مع الامريكان
eetbgfdf : الكاظمي شخص منافق وهو احد وكلاء ال سعود الارهابيين في العراق يهدف لتحقيق مآرب ال سعود في ...
الموضوع :
النائب عن صادقون علي الجمالي : الكاظمي مرفوض جملةَ وتفصيلاً ولن يتم التجديد له
ليا ديب : هذه القصيدة روووووعة عنجد كتيرر حلوة ...
الموضوع :
قصيدة من وحي كربلاء
رأي : قلم رصين ... يدعو للاصلاح والتنقيح وان علا موج الجهلة ...
الموضوع :
الدين الاجتماعي
ابو اية : إبداع مستمر العزيزة موفقة يااصيلة ياانيقه استمري رعاك الله ...
الموضوع :
شَـراراتُ الفِتَــنْ ..!
bwdtyhgg76 : ان اراد ساسة السنة والاكراد البرزانيين ابتزاز قادة الشيعة في تشكيل الحكومة وعرقلتها من اجل الحصول على ...
الموضوع :
الإطار التنسيقي يطالب حكومة تصريف الاعمال بإلغاء الاوامر الادارية والتعيينات الجديدة
حمزه المحمداوي : الكلاديو ...
الموضوع :
منظمة (الغلاديو) السرية تم تفعيلها في العراق..!
ابو حيدر العراقي - هولندا : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وال بيت محمد علي وفاطمة والحسن والحسين . ربما ...
الموضوع :
بالفيديو ... في حديث شيق الاستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الاشرف الشيخ احمد الجعفري لا تنساقوا وراء القائد الجاهل
فيسبوك