دراسات

الشيعة بين الانتظار والتمهيد ـ القسم الثاني  


رياض البغدادي ||

 

الانقلاب على الرؤية التقليدية في الميراث الشيعيّ:  المَلْمَحُ المهمّ هنا أنّ عقيدة الامام المهديّ من وجهة النظر الشيعيَّة كانت مدعاة طَوال التاريخ الشيعيّ إلى ابتعاد الجماهير الشيعيَّة عن السياسة وتبنّي نظريَّة «الانتظار» التي تَعني عدم المشاركة السياسيَّة أو حتى المطالبة بحكم دينيّ، لأنّ إقامة الدولة وما يتبعها من إقامة حدود وفرائض وإعلان جهاد، من حقّ الإمام الغائب فقط، وليس لأحد أن يحلّ محلّه في شؤون السياسة والحكم، لأنّ الإمام صاحب الزمان (ع) هو الذي ( يملأُ الأرضَ قِسطًا وعدلًا ، كما ملئت ظُلمًا وجَوراً " (3).  " أمّا البشر فمهما بلغوا من صفات الكمال فلا يمكن أن يملؤوا الأرض عدلًا كما مُلئت ظلماً جورًا" (4). وكان الخطّ الرئيس للتشيّع سائرًا على هذا الدرب، بل بدا المشهد ( إنّ علماء الشيعة الكبار ألزموا أتباعهم بعدم الخروج على الحاكم الا في حالات الدفاع عن الدين والمذهب عندما تتعرضة بيضة الاسلام للخطر ) بل ان ذلك اصبح من مسلمات المذهب بسبب التفسيرات الخاطئة لبعض الروايات الواردة عن الائمة المعصومين (ع).

 وقد سنحت الفرصة لفقهاء الإماميَّة في مراحل كثيرة أن ينقضّوا على السلطة، لا سيّما بعد أن تسنّم بعضهم مراكز متقدّمة في بنية السلطة العباسيَّة، مثل الشريف المرتضى في دولة آل بويه، ومع ذلك فلم يفعل ذلك، لأنه «كيف يمكن أن يعرف ما هو شرع السماء،أو دولة العدل، مع غياب شبه كامل لتوصيف تلك الدولة الفاضلة التي تجدها مكتوبة في أدبيّات الفارابي وأفلاطون، فكلّ من تصدّى للتلبّس بهذه المهمّة كانت نتيجته لعنة الإمام الغائب (ع) »(5). 

وكان هناك أكثر من فرصة على مَرّ التاريخ لفقهاء الإماميَّة عُرضت عليهم من الثوّار أو من الحكّام أنفسهم، فكان موقفهم واحدًا لم يتبدّل،وهو أنّ «كل دولة دون وجود المعصوم هي دولة لا شرعيَّة وغصبيَّة»(6).

فنظريَّة الانتظار السلبي كانت هي الميراث الحوزويّ الشيعيّ طَوال التاريخ كلّه حتى ظهور حركة الامام الخميني (رض) في إيران، فتغير الحكم الشرعي المستنبط من الموروث الشيعيّ، فتغيّر تبعاً لذلك التكليف الشرعي للجمهور الشيعيّ بخصوص العقيدة المهدويَّة من الانتظار إلى تمهيد الأرض لظهوره سلام الله عليه، مما يعني إشعال الثورات والانقلاب على الحكام المجرمين، والعمل على انشاء الدولة الممهدة لظهوره الشريف، وهذا ادى الى بعث الحياة في المجتمع الاسلامي وتحفيزه على انشاء الحركات السياسية الاسلامية لتعمل على تسلم الحكم وتطبيق الشريعة في كل الدول الإسلامية .

فلم تكُن الثورة الاسلامية في ايران بالحقيقة تمثل انقلاباً على الدولة الشاهنشاهية فقط، بل أيضًا على نظرية الانتظار السلبي الموروثة في الفكر الإمامي الشيعيّ، وخطوطه الرئيسة، وقواعده العامّة الكلّيَّة، «فقلبت موازين القوى داخل المنظومة الفكريَّة الشيعيَّة في شِقَّيْها السياسيّ والاجتماعيّ، فما بعد الإمام الخميني ليس كما قبله» (7).

فبعد أن كان المهديّ عقيدة شيعيَّة مدعاة للسكون والخضوع والابتعاد عن العمل السياسيّ في الأعراف الشيعيَّة  (8) ، صارت عقيدة الإمام المهديّ مدعاة للثورة والخروج والجهاد ضد الاستبداد والاستكبار والإحتلال الامبريالي للدول الأخرى، وذلك لأجل التهيئة لظهوره الشريف. وبعد أن كانت العقيدة الأمامية الشيعية قائمة على الانتظار وأنّ المهديّ هو الذي سيُقيم دولة العدل، وأنّ التمهيد لظهوره يكون فقط بالانتظار، وأنه كلّما مُلئت الأرض ظلمًا كان ذلك مدعاة لخروجه كي يملأها عدلًا، صارت العقيدة الثورية الخمينية تؤمن بفكرة التثوير، وأنه لا بُدّ من نُصرة المستضعفين في كلّ مكان، تمهيدًا لظهوره الشريف. فالانتظار في القراءة الخمينيَّة هو العمل والتمهيد والإعداد للظهور، وذلك بإقامة الدولة في عصر الغيبة، وهو التفسير الذي لم يكن موجودًا طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان، منذ نشأة التشيّع في العصر الأوَّل وحتى قراءة الإمام الخميني لمفهوم الانتظار.

فقد أمدّ الخميني التشيعَ السياسيّ بديناميَّة وحركيَّة، بعقيدة المهديّ المنتظَر عبر التفسير السياسيّ للدين وعَقْدَنة المذهب(9)، وهو ما يُعَدّ تطوراً ملفتاً منهجيًّا وعلميًّا، أو ما يُسمّيه البعض بنظريَّة «الوثبة الفجائيَّة»، ويُقصَد بنظريَّة الوثبة الفجائيَّة الانتقال بين عناصر العلم وحقوله، بل ربما عناصر الموضوع ذاته اعتماداً على روابط توثّق الصلات بين حلقاته، فيحدث الانتقال من نتيجة إلى نتيجة، ومن مقدمة إلى نتيجة،  ببراهين قطعيَّة وأدلّة يقينيَّة لم تكن معروفة، مما ادى الى حدوث صدمة فكرية في الاوساط العلمية ظهرت تبعاتها سريعاً في المجتمعات الاسلامية في الدول كافة ولو ان الصدمة ان صح التعبير لم تكن في المجال العقائديّ لما وجدنا ذلك التفاعل السريع .

هذه النظريَّة وأعني بها الانتظار المقرون بالتمهيد واختصاراً اسميها ( نظرية التمهيد ) اصبحت مدار البحث المهدويّ عند الشيعة في كافة الحوزات العلمية وتفاعل معها العلماء والفضلاء سلباً وايجاباً، ففي الوقت الذي نجد فيه أكثرية مؤيدة كذلك وجدنا هناك اعتراضاً خجولاً لدى بعض الحوزات والفضلاء في إستخدام العقل أمام نصوص صحيحة موروثة في البحث المهدويّ. فيُقال أنّ الأرض لا يجوز أن تخلو من إمام، أي من حكومة ودولة، وأن الإمام -الرئيس أو الخليفة أو القائد- يجب أن يكون معصومًا ومعيَّنًا من قِبَل الله، ثمّ الانتقال إلى نظريَّة الغيبة والانتظار، التي تؤيد فكرة غيبة الإمام المعصوم لكنها لا توجب على المكلف مسؤولية التمهيد لظهوره كل ذلك انما مبناه روايات ونصوص معتبرة لايمكن تحكيم العقل فيها مع ان العقل في الرؤية الخمينية للانتظار لم يطرحه بديلاً عن النصوص الثابتة الا ان ما استنبطه من تلك النصوص من حكم شرعي ملزم للمكلف المسلم تجاه القضية المهدوية هو الذي يختلف . ... يتبع

 

في القسم الثالث سوف نبدأ بالموضوع التالي ( التمهيد بدل الانتظار )

ـــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1754.39
الجنيه المصري 93.37
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2083.33
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 390.63
ليرة سورية 2.86
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.85
التعليقات
زيد مغير : مصطفى مشتت الغريباوي بدون أي استحياء منح منصب وزير الدفاع لشخص بعثي نتن له اخوين داعشيين ومنصب ...
الموضوع :
عضو بالامن النيابية يرد على مستشار الكاظمي بشأن سليماني ويطالب باقالته فورا
مازن عبد الغني محمد مهدي : نسال الله عز وجل ان يحفظ السيد حسن نصر الله و يحفظ الشعب اللبناني الشقيق ويحفظ الشعب ...
الموضوع :
سماحة السيد حسن نصر الله: لا يمكن للعراقيين أن يساووا بين من أرسل إليهم الانتحاريين ومن ساعدهم
مازن عبد الغني محمد مهدي : اللهم صلي على محمد وال محمد وعجل فرجهم الشريف ونسالك يالله يا عظيم يا ذو الفضل العظيم ...
الموضوع :
40 مطلوباً من 6 دول متورطون باغتيال سليماني والمهندس
سليم الياسري : كان مثالا للمجاهد الحقيقي. متواضع الى درجة كبيرة فلم يهتم بالمظاهر لم يترك خلفه الا ملابسه التي ...
الموضوع :
بطل من اهوار العراق
Jack chakee : اويلي شكد مظلوم الرجال العراقي ويموت على جهاله مو واحدكم يرشي القاضي علمود لا ينطيها نفقة لو ...
الموضوع :
النظر في قانون الاحوال المدنية وكثرة الطلاق في العراق
البزوني : القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة سوف تبقى دماء الشهداء السعداء الحاج قاسم سليماني وابو مهدي ...
الموضوع :
أول تعليق أميركي على إمكانية محاكمة ترامب بجريمة المطار الغادرة الجبانة
مازن عبد الغني محمد مهدي : اللهم صلي على محمد واله الاطهار والعن الدئم على الظالم البعثي الجديد محمد إبن سلمان لا تستغرب ...
الموضوع :
رسالة إلى خليفة الحجاج بن يوسف الثقفي؟
مازن عبد الغني محمد مهدي : اللهم صلي على محمد واله الاطهار وارحم وتغمد برحمتك الشيخ الجليل خادم ال البيت الشيخ محمد تقي ...
الموضوع :
وفاة آية الله العظمى محمد تقي مصباح الازدي
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والصلاة والسام على افضل الخلق والمرسلين رسولنا ابو القاسم محمد واله الاطهار ...
الموضوع :
ردا على مقالة علي الكاش[1] [إكذوبة قول غاندي "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فانتصر"] [2] في موقع كتابات
ابو حسنين : حيل وياكم يالغمان والغبران والمعدان هذا ماحصلت عليه من اعمالكم بتخريب مدنكم وتعطيل مدارسكم وحسدكم وحقدكم بعظكم ...
الموضوع :
بالفيديو .... جريمة جديدة وفضيحة كبرى تقترفها حكومة الكاظمي بحق ابناء الوسط والجنوب
فيسبوك