التقارير

تجاوز الحد المسموح بـ30 ألف ضعف.. التلوث الإشعاعي "يفتك" بالعراقيين والحكومة "صامتة

646 2017-02-15

ابتليت البيئة العراقية بمسؤولين ليسوا على مستوى المسؤولية التي تتطلبها هذه "الكارثة"، إضافة إلى غياب الكفاءة والتأهيل، إذ واصلوا التفرّج على محنة العراقيين الناجمة عن التلوّث بأسلحة مشعّة، ولم يسعوا جدياً للتخفيف منها، بل انخرط بعضهم في نوع من التعتيم عليها والتضليل أحياناً، سعياً إلى تبرير "فشلهم وتخبطهم وتقصيرهم".
لم يتحرّك أحد في السلطات الثلاث التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة للمحاسبة على التقصير والإهمال، كأنما الأمر لا يعني شعباً بأكمله، ما يثير أيضاً إحساساً بالريبة حيال ذلك الصمت.
بعد 14 عاماً على غزو العراق الذي استخدمت القوات الأميركيّة والبريطانيّة خلاله أسلحة مُشعّة متطوّرة هي قذائف اليورانيوم المنضّب، لا يزال ملف المواقع الملوّثة بالإشعاع مفتوحاً، من دون أن يطرأ عليه تقدّم يذكر، كذلك لم تنجِز الجهات المعنيّة مهمة تنظيف البيئة منها، بل إنها أصلاً تجهل عددها ومواقعها، كما لم تلتفت إلى ما تلحقه من أضرار بصحة العراقيين وحياتهم بطريقة تتزايد مع تراكم العجز والفشل.
في المقابل، تبدو السلطات العراقيّة جاهزة دوماً لاختلاق الأعذار والتبريرات الواهية لتقصيرها الواضح في مهمة وطنيّة وإنسانية، وكذلك أهملت بـ"استهتار صلف" المبادرات المخلصة التي قدمتها مؤسّسات علميّة دوليّة بصدد مساعدة العراق في التصدي لتلك الكارثة.

تقارير علميّة بأدلة دامغة
عقب غزو العراق، كشف الخبير سكوت بيترسون، وجود تلوّث إشعاعي ناجم عن مخلّفات حربيّة لأسلحة اليورانيوم في بغداد، مشيراً إلى أنه "يفوق الحدود المسموح بها دوليّاً بما يتراوح بين ألف وعشرة آلاف ضعف".
ونشر بيترسون تقريره في صحيفة "كريستشن ساينس مونيتور" الأميركية في ربيع العام 2003، وفي أيلول من تلك السنة، أجرى فريق من علماء مركز بحوث طب اليورانيوم (مركز بحوث دولي مستقل، مقره نيويورك، ولديه فروعاً في دول أوروبية عدّة)، ما وُصِفَ آنذاك بأنه أوسع بحث ميداني عن تأثيرات أسلحة اليورانيوم في حروب العراق، وشمل بغداد وضواحيها، ومدن وسط العراق وجنوبه كلها.
ووجد الفريق أدلة تثبت انتشار التلوّث الإشعاعي في الأمكنة التي جرى مسحها كلها، مشيراً إلى أن مستويّاته فاقت الحدود المسموح بها دوليّاً بما يتراوح بين عشرة أضعاف وثلاثين ألف ضعف، وتخطّت مستويات الإشعاع في النبات والحيوان في البصرة قرابة 14 مرّة الكميّة المعتمدة معياراً للسلامة من قبل منظمة الصحة العالميّة.
وفي العام 2005، قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أنّ العراق بات يشتمل ما يزيد على 1000 موقع ملوّث بأشعة متأتيّة من أسلحة يورانيوم مُنضّب
وفي العام 2006، كشف الباحث خاجاك وارتانيان، عن 100 موقع ملوّث باليورانيوم المُنضّب في البصرة، معظمها كانت على هيئة مخلّفات حربيّة، وحذّر من أنّها ربما تتضاعف عبر نقل خردة الحديد الملوّث إلى مناطق أخرى.
ومن المعروف أن تجاراً كثر يتاجرون بخردة الحديد الملوّث، ما أدّى إلى نقل الإشعاعات إلى أماكن عدّة، بالترافق مع تعريض مئات من المواطنين لأخطارها المهلكة.

مجرد كلام
في عام 2007، أوضحت وزارة البيئة أنها كشفت 315 موقعاً ملوّثاً بالإشعاع المتأتي من أسلحة اليورانيوم، وفي محفل دولي استضافته دبي، طالبت المجتمع الدولي بتقديم المساعدة لتنظيف بيئة العراق من مخلّفات الحرب ومعاقبة الجناة الملوّثين، ولاحقاً، بدا الأمر كأنه مجرد كلام، إذ لم تتابع جهة رسميّة ذلك المطلب المحق.
في العام نفسه، أعلنت جهات عراقيّة مسؤولة أنّ الإصابات السرطانيّة التي يعتقد بصلتها بأسلحة اليورانيوم المنضّب بلغت 140 ألف إصابة، مطلقّة وعوداً كثيرة لمعالجة المشكلة، وفجأة، تغيّرت المواقف، وبدأت حملة تعتيم وتضليل صلفة، بلغت ذروتها في العام 2010، مع إعلان مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة البيئة، "خلو العراق من التلوّث الإشعاعي".
ولم يقدم مركز الوقاية أي أدّلة تتوافق مع ذلك "الإعلان الجليل"، والمفارقة المخجلة أن المركز عينه شارك في دراسة علميّة أنجزتها وزارات البيئة والعلوم والتكنولوجيا والصحة، كشفت عن وجود 41 موقعاً ملوّثاً بالأشعة مع خريطة لها بيّنت أنها تشمل مجموعة من المواقع صُنّفَت أنها "ملوّثة بدرجات خطيرة جداً"، ونشرت الدراسة في صحيفة "الغارديان" البريطانيّة في كانون الثاني من العام 2010.
في السياق نفسه، كشف فريق علمي قاده إدوارد إليسون، وهو مختص بعلوم التلوّث الإشعاعي، وجود ما يزيد على 143 موقعاً ملوّثاً باليورانيوم المنضّب في سبع محافظات عراقيّة، منها قرابة 40 موقعاً في بغداد، و22 موقعاً في البصرة، و20 موقعاً في الناصرية، و20 موقعاً في مدينة بابل، و16 موقعاً في محافظة ديالى، و14 موقعاً في محافظة ميسان، و11 موقعاً في محافظة واسط.
وتناولت تحقيقات صحفيّة كثيرة انتشار التلوّث الإشعاعي في محافظات بغداد والبصرة والناصرية ونينوى وميسان والنجف والمثنى والأنبار وكربلاء وغيرها، وأشارت إلى كثافة التلوّث في مناطق سكنيّة عدّة، ومدارس وأبنية اخرى، نتيجة وجود مخلّفات مشعّة مطمورة فيها.
وفي تقرير بعنوان توقّعات حال البيئة في العراق للعام 2013، أقرّت وزارة البيئة بوجود مخلّفات عسكريّة كالدبابات والمدرّعات ومخلفات أعتدة بعضها ملوّث بالإشعاع النووي، ويشير المركز العراقي للوقاية من الإشعاع إلى وجود 46 موقعاً ملوّثاً بالإشعاع، بل أنّ قسمّاً منها قريب من أمكنة سكن مواطنين

ذريعة الأمن القومي المميت
في صيف 2015، كشف الأمين العام لمجلس السرطان في وزارة الصحة الدكتور مهدي السراج، وجود تقرير يحدّد المواقع الملوّثة بإشعاعات أسلحة اليورانيوم، في محافظات بغداد والمثنى وصلاح الدين ونينوى والبصرة وميسان وذي قار والأنبار.
ولفت إلى أنّ معظم أسباب التلوّث تعود إلى عمليات عسكريّة خلفت مصادر مشعّة، كطائرات وهياكل دبابات وآليّات عسكريّة، مشيراً إلى أنّ المواد المشعّة شملت موادَّ كالسيزيوم المشع، وأكاسيد اليورانيوم، إضافة إلى محوّلات ومعدّات كهربائيّة وأسيجة معدنيّة ملوّثة باليورانيوم المنضّب.
وقبل فترة وجيزة، كشف رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية قتيبة الجبوري، عن وجود 55 موقعاً في محافظات عراقيّة مختلفة، ملوّثة باليورانيوم المنضّب.
كذلك تواصل وسائل الإعلام العراقيّة المستقّلة تحقيقاتها عن كارثة التلوّث الإشعاعي في منطقة "كسرة وعطش" في بغداد، مع ملاحظة أنّ السلطات باتت على علم به، لكنها لا تتحرّك.

فصول من التضليل
أثر من الإهمال، طالت الإصابات السرطانيّة المتصلّة بالتلوّث الإشعاعي، قرابة المليون عراقي، قضى منهم عشرات الآلاف، إضافة إلى حدوث آلاف الولادات الميّتة والمشوهّة.
وحتى اليوم، لم تعالج المواقع الملوّثة بالإشعاع في العراق، بل لا تأبه الجهات المسؤولة حتى لتزايد الانتقادات عن فشلها في ذلك، وواضح أنها لا تعرف عددها ولا أمكنتها كلّها، على رغم السنوات الطويلة التي انصرمت، والأرجح أنها تغطي فشلها عبر مواصلة التعتيم والتضليل، وبل ربما الكذب.
وفي مطلع 2017، برزت حلقة أخرى في ذلك الأمر، مع تصريح مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي في وزارة الصحة والبيئة، بأنّ "المصدر الوحيد الذي يملك صلاحية القول بوجود مواقع ملوّثة هو مركز الوقاية من الإشعاع في الوزارة، ولا نستطيع دائماً التحدّث عن ذلك الجانب لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أحياناً المعلومات غير دقيقة، وفي الدول كلها لا يتم الإعلان عن ذلك لأسباب أمنية".
وإذ يؤكّد التصريح حال "التجاهل" عبر الإشارة إلى أنّ "المصدر الوحيد" لكشف التلوّث الإشعاعي (مركز الوقاية من الإشعاع) فقد صدقيته منذ العام 2010 عندما زعم "خلوّ العراق" من التلوّث الإشعاعي، ولم يعد أحد يصدقه.
وزيادة على فقدان المصداقيّة، تجدر الإشارة إلى أن معظم الدول المتحضرة تهتم بالتلوّث الإشعاعي بطرق مملوءة بالجديّة والإحساس بالمسؤوليّة، بل أن بعضها يعلن حالة الطوارئ لمجرد وجود شك في حدوث تلوّث إشعاعي، وفي تلك الأحوال، تستقدم خبراء مختصين، مع أجهزة مسح متطوّرة، كما تتخذ إجراءات وقائيّة فوريّة.
ولا تتهاون تلك الدول إطلاقاً مع الأخطار المحتملة التي تحملها أشعة اليورانيوم على صحة المواطن وحياته، مهما كانت درجتها بسيطة، بقول آخر، ليس مسموحاً فيها "إخفاء التلوّث الإشعاعي لأسباب أمنية"، بل أن من ينخرط في الإخفاء يعرّض نفسه لأحكام قانونيّة قاسية، ما هو ذلك "الأمن القومي" الذي يخفي مصادر تلوّث إشعاعي مميت، بل يفرّط بحياة المواطنين؟.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1470.59
الجنيه المصري 67.29
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3030.3
ريال قطري 325.73
ريال سعودي 315.46
ليرة سورية 2.3
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.74
التعليقات
ابو الهدى الساعدي : ونار لو نفخت بها أضاءت .....ولكن أنت تنفخً في رماد في ظلال الحرية الممنوحة ...خرج علينا أمعات ...
الموضوع :
رشيد الخيون ينتقد العبادي لانه لا يحب الغناء
اني المواطن من حي الاعظمية : السيد وزير الداخليه المحترم اني المواطن من حي الاعظمية انتشرت في مدينة الاعظمية مؤخراً العشرات من بيوت ...
الموضوع :
وزارة الداخلية تخصص رقم هاتف جديد للشكاوى
العراقي : يفضل توزيع الرواتب حسب البصمة الإليكترونية عبر البطاقات الإلكترونية ليتم مقاطعة تلك المعلومات من قبل الحكومة الاتحادية ...
الموضوع :
العبادي : نعتزم اطلاق اجراءات خاصة للتعامل مع مستحقات موظفي كردستان
ايناس فالح عبد الحسن ناجي : سلام عليكم كنت انا وعائلتي في سجن رفحاء السعوديه عام 1991 وحالياً ابي قدم لنا معامله لأجل ...
الموضوع :
نص الوثيقة الهامة التي سلمت إلى الامم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر الدولي ومفوضية غوث اللاجئين في جنيف بخصوص المعتقلين العراقيين في السجون السعودية
ايناس فالح عبد الحسن ناجي : سلام عليكم ممكن احصل على وثيقة تأييد من الامم المتحده اني كنت في مخيم رفحاء عام 1991 ...
الموضوع :
ملبورن| محتجزي رفحاء : كيف احصل على أوراق ثبوتية؟ Bookmark and Share
عبد الاحد متي دنحا : السلام عليكم سبق و ان تم احالتي الى التقاعد حسب الرقم التقاعدي 5280891004 والمؤرخ في 11/2/2018 .لي ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
تحسين امين احمد : سرقت الجنسيه البريطانيه في العراق ممكن مساعده من قلبلكم ...
الموضوع :
إطلاق موقع السفارة البريطانية في العراق – باللغة العربية
كرار علي محمد المشعشعي : تحية طيبة الى عمامي السادة المشعشعية في عموم العراق ...
الموضوع :
الدولة المشعشعية في اهوار الاحواز وجنوب العراق
العراقي : زين و980 مليار دولار وين راحت ؟؟ ...
الموضوع :
سياسي عراقي: أمريكا يجب أن تتحمل فاتورة تدمير بلادنا كاملة
حلال المشاكل : بما ان توجد شبكة انابيب تصل من محطة تصفية المياة الى البيوت الحل حفر ابار في كل ...
الموضوع :
النائب ناظم الساعدي يطالب العبادي بإجراء عاجل لإنقاذ العمارة من العطش
فيسبوك