التقارير

غداً.. أسواق العراق خارج الخدمة: التجار يعلنون الحرب "لا بيع حتى تسقط الرسوم"


في الظاهر، تبدو أزمة الرسوم الكمركية الجديدة وتكدّس الحاويات في ميناء أم قصر خلافًا فنيًا حول نسب وقرارات وإجراءات، لكنّ الاحتجاجات المتصاعدة، ودعوات إغلاق الأسواق، والقلق الشعبي من موجة غلاء جديدة، تكشف أنّ المسألة أعمق بكثير من مجرّد تعديل في جداول الجباية.

فالأسئلة التي يتداولها الشارع اليوم لا تتعلق فقط بـ"كم" سيُدفَع من رسوم، بل بـ"مَن" سيدفع، و"لصالح مَن" تُفرض هذه الأعباء، وهل يجوز أصلًا الحديث عن "إصلاح اقتصادي" في بنية سياسية ومالية ما زالت تُحابي الفاسدين وتُفلت فيها الثروات الكبيرة من أي مساءلة حقيقية، بينما يُطلب من المواطن والتاجر تحمّل كلفة التصحيح؟

منذ سقوط النظام السابق، عاش العراقيون تحت وعود متكرّرة بـ"الإصلاح"، من إصلاح الخدمة المدنية، إلى إصلاح الكهرباء، إلى إصلاح المنظومة الضريبية والكمركية. لكنّ النتيجة الملموسة في ذاكرة الناس أنّ الطبقة السياسية نفسها لم تتغيّر في جوهرها، وأنّ الوجوه ذاتها، أو من يدور في فلكها، ما زالت تتحكّم بالعقود الكبرى، والمنافذ الحدودية، والملفّات المالية الحسّاسة، فيما تتزايد ثروات قلّة معروفة، وتتآكل قدرة الأغلبية على تحمّل تكاليف المعيشة. هكذا يُستقبل أيّ قرار جديد، مهما كانت نواياه المعلنة، في بيئة مشبعة أصلًا بعدم الثقة، حيث يُقرأ كل إجراء اقتصادي من زاوية: من المستفيد الحقيقي؟ ومن الذي سيُطالبه النظام بالدفع هذه المرّة؟

من "إنذار مبكر" إلى "قلب العاصفة".. الاقتصاد تحت ضغط الإعصار

في ظاهرها، دعوة "تجمّع تجّار العراق" إلى إغلاق شامل للأسواق ابتداءً من يوم الأحد، احتجاجًا على الرسوم الكمركية وتكدّس الحاويات في أم قصر، تبدو ردّ فعل مباشر على إجراءات محدّدة. لكنّ التميمي يحذّر من اختزال الموقف في هذه الصورة الضيّقة، مؤكّدًا أنّ "ما يجري اليوم هو انفجار متدرّج لأزمة ثقة عميقة بين السوق ومؤسّسات الدولة".

فالمواطن الذي سمع مرارًا عن "محاربة الفساد" من دون أن يرى ملفًا كبيرًا يُحسم حتى النهاية، والتاجر الذي شاهد كيف تتبدّل القوانين والتعليمات فجأة، وكيف يُترك وسط حلقة من الضرائب والرسوم وكلف النقل وسعر الصرف، يشعران معًا بأنّ الدولة لا تأتي إليهما بوصفها حكمًا نزيهًا يُطبّق القانون على الجميع، بل بوصفها طرفًا يتصرّف أوّلًا كجباية، ثم يترك الفوضى قائمة في أماكن أخرى أقلّ شفافية. وفي ظلّ هذه الذهنية، فإنّ أي قرار جديد يُفسَّر فورًا على أنّه حلقة أخرى في سلسلة الاستنزاف، مهما كانت الحجج الفنّية التي تقدّمها الحكومة.

منذ أشهر، تعاملت "بغداد اليوم" مع مؤشرات الاقتصاد العراقي بوصفها "إنذارًا مبكرًا" لمراحل أكثر خطورة كانت تلوح في الأفق: قفزات متتالية في سعر الدولار الموازي، موازنات تضخمية، عجز متنامٍ، استنزاف متسارع للاحتياطي، وضغوط متزايدة على رواتب الموظفين والفئات الهشّة. ومع كل تقرير وتحقيق اقتصادي، كان التحذير المركزي واضحًا: إذا لم تُتَّخذ معالجات جذرية وسريعة، فإنّ البلاد تتّجه إلى لحظة "انكسار" لا تنفع معها المسكّنات.

اليوم، يصف الخبير الاقتصادي منار العبيدي هذه اللحظة بوضوح قاسٍ، أنّنا "لم نعد في مرحلة التحذير أو الاستشراف، بل في قلب العاصفة ذاتها"، موضحًا أنّ ما يجري الآن يشبه "دوّامة إعصار حقيقي"، خرجت فيه الأمور عن السيطرة، ولم يعد الحديث عن أزمة مالية ترفًا تحليليًا، بل سؤالًا وجوديًا: ماذا بعد الإعصار إذا استمرّ النهج نفسه في إدارة المال العام من دون إصلاح جذري ولا مصارحة حقيقية للمجتمع؟

خلال الفترة الماضية، رصد قسم الشؤون الاقتصادية في "بغداد اليوم" مسارًا متصاعدًا للأزمات:

-سعر صرف الدولار الموازي الذي وصل إلى حدود 157,000 دينار لكل 100 دولار، ثم تراجع جزئيًا من دون العودة إلى مستويات مريحة.

-ضغط متزايد على الاستيراد عبر منافذ لا تخضع بالكامل للآليات الجديدة.

- اعتماد أوسع على السوق الموازي لتمويل التجارة مع تركيا وإيران.

-موجات ارتفاع متتالية في أسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع ضرائب ورسوم تُفرَض على شرائح واسعة من المواطنين من دون شبكة حماية واضحة.

بالتوازي، كانت النقاشات حول الإيرادات غير النفطية تكشف حجم الفاقد الضريبي والكمركي، والفجوة بين ما يمكن تحصيله نظريًا وما يدخل فعليًا إلى الخزينة، في ظلّ نظام جباية مهترئ، وتداخل مصالح سياسية وحزبية وتجارية، وانقسام في إدارة المنافذ بين المركز والإقليم. هذه المؤشرات، بنظر العبيدي، لم تعُد مجرّد "نُذر"، بل علامات على أنّ البلاد دخلت فعلًا مرحلة جديدة من الخطر.

تحذيرات إضافية: رواتب مقسّطة، أسعار ملتهبة، وبطالة مرشّحة للانفجار

في الظروف الطبيعية، يكون الظرف الاقتصادي الصعب حافزًا للإصلاح العميق، لا سببًا لتأجيله. لكن في حالة العراق، هناك تعقيد إضافي: بنية سياسية مرتبكة، حكومة تصريف أعمال، صراع مفتوح على تشكيل سلطة جديدة، فراغات دستورية معلّقة، مؤسّسات رقابية وقضائية متّهمة بالعجز أو التسييس، وذاكرة مثقلة بتجارب سابقة أطلق فيها شعار "الإصلاح" بينما استمرّت شبكات الفساد بالعمل كالمعتاد خلف الكواليس.

في مثل هذا المناخ، يصبح السؤال مشروعًا: هل يجدر بالدولة أن تمضي في حزمة تغييرات كمركية وضريبية واسعة، تمسّ معيشة الناس وتكاليف الاستيراد، في وقت لم تُحسَم فيه بعد ملفات أساسية تتعلّق بمصير الموازنة، وطبيعة الحكومة المقبلة، وحدود التزاماتها؟ أم أنّ الأَوْلى كان البدء بخطوات ذات دلالة رمزية وعملية في آن واحد، مثل فتح ملفّات عقود كبيرة، أو تقليص امتيازات فئات متنفّذة، أو ضبط منافذ مشهورة بالخرق، قبل الذهاب إلى جيوب التجّار الصغار والمتوسّطين والمستهلكين؟

على وقع هذه الصورة القاتمة، تتكاثر التحذيرات من داخل البيئة الاقتصادية نفسها. حيث حذّر فريق "اقتصاديون"، من تداعيات ما وصفه بـ"الفوضى في القرارات الاقتصادية غير المدروسة"، متوقّعًا انعكاسات مباشرة على صرف رواتب الموظفين، والأسعار في الأسواق، ومستويات البطالة، مع اقتراب شهر رمضان المبارك.

وذكر الفريق، في إيضاح على صفحته الرسمية في "فيسبوك"، أنّه "على ضوء المعطيات الحالية، نتوقّع أن يكون صرف الرواتب الخاصة بشهر 2 على شكل أقساط على الدوائر، وأن يستمر هذا السحب المتقطّع للرواتب إلى غاية 15/3، بما يعكس اختلالًا في إدارة السيولة العامة".

ويضيف الفريق أنّ "المواد والسلع في الأسواق مرشّحة للاستمرار في الارتفاع التدريجي، بنسب قد تتجاوز 40% في بعض الأصناف، وتبلغ 15% في أصناف أخرى، مع توقّع شحّة في الإمدادات الغذائية مع بداية شهر رمضان المبارك وارتفاع أسعارها بشكل واضح"، محذّرًا من أنّ "ذلك سيضغط بشدّة على القدرة الشرائية للمواطنين".

الأخطر في تقديرات "اقتصاديون" هو ما يتعلّق بسوق العمل؛ إذ يشير الإيضاح إلى أنّ "الدورة المالية للاقتصاد العراقي مهدّدة بالاختلال، في ظلّ هذا المسار المضطرب للقرارات الاقتصادية"، لافتًا إلى أنّ "نسبة البطالة قد تسجّل ارتفاعًا لافتًا خلال الشهرين المقبلين، وربما تتجاوز 55% إذا استمرّت الأوضاع على ما هي عليه، من دون مراجعة جذرية للسياسات المعتمدة".

هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن الواقع اليومي؛ فشكاوى الموظفين تعكس حالة ترقّب وقلق مع كل شهر جديد، وسط حديث متكرّر عن تأخير الرواتب أو تقسيطها، مقابل ارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية والإيجارات والخدمات، ما يلتهم الجزء الأكبر من الدخول الشهرية.

في المقابل، يؤكّد التجّار وأصحاب المحال أنّ تغيّر القرارات الضريبية والجمركية من دون إعداد مسبق أو فترات انتقالية مدروسة، أدّى إلى ارتباك في حركة الاستيراد والتخزين، وتذبذب في الكلف، ما انعكس مباشرة على المستهلك النهائي. كثيرون منهم يشكون ضعف التواصل الحكومي وغياب رؤية اقتصادية متماسكة، الأمر الذي جعل السوق يعيش حالة "انتظار قلِق" لأي قرار جديد قد يزيد الكلفة أو يقيّد التعاملات.

وبين ضغط الأسعار على المواطنين، وارتباك بيئة العمل أمام التجّار وأصحاب الشركات، وتخوّف الموظفين من المساس برواتبهم، تتّسع دائرة الاعتراض على السياسات الاقتصادية الحالية، مع دعوات متصاعدة لمراجعتها بسرعة قبل أن تتفاقم آثارها في شهر رمضان المقبل وتتحوّل إلى أزمة معيشية حادّة.

أزمة أعمق من الأرقام.. انهيار الثقة بين الدولة والمواطن

يرتبط سؤال "إمكان الإصلاح" في العراق بسؤال أعمق عن طبيعة الدولة نفسها. فحين تتحوّل الوظيفة العامة، في جزء كبير منها، إلى قناة للريع السياسي، وحين تتحوّل العقود الحكومية إلى مصدر ثروات هائلة لطبقة ضيّقة، وحين تُقسّم المنافذ والموارد بين قوى متنفّذة، يصبح الحديث عن "ترشيد الإنفاق" و"تعظيم الإيرادات" في نظر الناس نوعًا من التناقض؛ إذ كيف تُطالَب القاعدة بالتقشّف، بينما لم تُمسّ قمّة الهرم بعد؟

في هذه البيئة، أي زيادة في الرسوم الكمركية أو الضرائب، أو أي تشديد للإجراءات على المستوردين، يمكن أن تكون من الناحية النظرية خطوة تنظيمية صحيحة، لكنّها في الممارسة تتحوّل إلى فرصة جديدة للبعض لمراكمة الثروات عبر الاستفادة من الفوارق، سواء من خلال السيطرة على منافذ بديلة، أو امتلاك القدرة على تمرير البضائع بأسعار وشروط لا تتوفّر للآخرين. بذلك، يتكرّس الانطباع بأنّ "الإصلاح" ليس حركة إصلاحية للجميع، بل حركة تعيد توزيع مساحات الربح بين مجموعات داخل المنظومة الواحدة.

ليست خطورة اللحظة الراهنة في حجم العجز أو رقم سعر الصرف أو نسبة التضخم وحدها، بل في الموقع الذي وصل إليه "عامل الثقة" بين الدولة والمواطن. العبيدي يضع إصبعه على هذه النقطة حين يربط بين عمق الأزمة وحدود قدرة المؤسسات الرسمية على معالجتها منفردة، معتبرًا أنّ "الواقع يشير إلى أنّ الأزمة تجاوزت قدرة المؤسسات الرسمية وحدها على الاحتواء والمعالجة، وأصبحت مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الجهات المؤثرة في المجتمع، لكنّ فقدان الثقة بين الدولة والمواطن هو التحدّي الأكبر أمام أي مسار إصلاحي حقيقي".

اليوم، بات الرابط شبه الوحيد بين المواطن والمؤسسات الرسمية هو القدرة على الإيفاء بالالتزامات المالية الآنية: الراتب الشهري للموظّف والمتقاعد، دفع المستحقّات، تمويل البطاقة التموينية إن وُجدت، والاستجابة السريعة لأي أزمة سيولة. أمّا أي حديث عن إصلاحات هيكلية عميقة، أو "عمليات جراحية" في بنية الموازنة والإنفاق العام، فيصطدم منطقيًا برفض شعبي واسع، لأنّ الثقة التي تُتيح للمجتمع تحمّل كلفة إصلاح موجع لم تُستعد بعد.

هذا الوضع يجعل الدولة "أسيرة" خيار واحد تقريبًا: الاستمرار في استنزاف الموارد الحالية والمستقبلية للحفاظ على خيط رفيع من الاستقرار الاجتماعي، عبر تأمين الرواتب بأي ثمن، وتهدئة الأسواق بأي طريقة، وتأجيل المواجهة مع الملفات الكبرى، من الفساد إلى هيكل الموازنة. لكن، كما يشير العبيدي، فإنّ "الاستمرار في هذا النهج – القائم على استنزاف الموارد الحالية والمستقبلية لتأمين هذا الخيط الرفيع من الاستقرار – يقترب من نهايته، فالقدرة على الاستمرار بهذه الطريقة بلغت مراحلها الأخيرة".

من الرسوم الكمركية إلى إغلاق الأسواق.. إصلاح على الورق في بيئة فاسدة

في هذا السياق المضطرب، جاءت القرارات الأخيرة المتعلّقة بالرسوم الكمركية الجديدة وتنظيم المنافذ، لتُضاف إلى مشهد مرتبك أصلًا. الحكومة تقدّم هذه الخطوات بوصفها جزءًا من حزمة إصلاحية تهدف إلى:

-تعظيم الإيرادات غير النفطية.

-ضبط المنافذ ومكافحة التهريب.

-حماية المنتج المحلي.

لكنّ المشكلة، كما يراها خبراء وتجار ومراقبون، لا تكمن في العناوين، بل في البيئة التي تُطبَّق فيها هذه القرارات؛ فالدولة التي لم تتمكّن، طوال سنوات، من استرداد الأموال المنهوبة، أو ضبط العقود الكبرى، أو كبح تضخّم ثروات طبقة سياسية – اقتصادية محدّدة، تبدو اليوم وكأنّها تلجأ إلى المسار الأسهل: الضغط على الحلقة الأضعف في السلسلة الاقتصادية، أي التاجر الصغير والمتوسّط، ثم المستهلك الذي يجد الأسعار ترتفع بلا سقف واضح.

الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر التميمي ير أنّ أي نقاش عن الرسوم الكمركية الجديدة لا يمكن فصله عن أزمة الثقة العميقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ويقول في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ "الحديث عن استقطاع أو تحميل السوق أعباء إضافية، في وقت يشعر فيه المواطن والتاجر على حد سواء بأنّ الفساد مستمر، وأنّ ثروات البعض تتزايد رغم كل الأزمات، يجعل أي قرار اقتصادي، مهما كانت مبرراته الفنية، يُقرأ على أنّه جزء من نمط قديم، لا خطوة في مسار إصلاح جديد".

ويضيف أنّ "أي إصلاح جاد يفترض أن يبدأ من الأعلى، من ملفات الهدر الكبرى والعقود المشبوهة، ومن ضبط المنافذ غير الرسمية، ثم ينتقل إلى تنظيم الرسوم والضرائب على الجميع بعدالة، لا أن يُترك رأس المنظومة دون مساءلة، بينما يُضغط على القاعدة باسم الإصلاح".

على الأرض، تظهر هذه المفارقة بوضوح في أزمة تكدّس الحاويات في ميناء أم قصر؛ حيث يقف رأسمال التجّار مُجمّدًا تحت الشمس، وتتعاظم كلف الأرضيات والغرامات، وتتعرّض بعض المواد لخطر التلف، في حين يشعر المستورد الملتزم بالقانون بأنّه يدفع ثمن اختناقات إدارية وتعقيدات غير شفافة، لا ثمن نظام عادل يساوي بين الجميع.

ما بعد الإعصار.. من فتح الموازنات إلى كشف الفساد

أمام هذا المشهد المركّب، يذهب العبيدي إلى أبعد من توصيف الأزمة المالية، ويربط بين فشل إدارتها وإمكانية تحوّلها إلى أزمة اجتماعية وأمنية شاملة، محذّرًا من أنّ الفشل في تجاوز هذه المرحلة "ينذر بانهيار اجتماعي خطير، وتفكّك في النسيج الوطني، وقد يمتد – لا سمح الله – إلى أبعاد أمنية".

في مواجهة ذلك، يقترح مسارًا واضحًا، وإن كان صعبًا، للخروج من "دوّامة الإعصار":

-فتح ملف الموازنات العامة منذ أول موازنة بعد 2003 وحتى اليوم، ومراجعة شاملة لمسار الإنفاق العام، والعقود، والمشروعات الوهمية أو المتعثّرة.

-إعادة فتح جميع ملفات الفساد دون استثناء، وكشف أين صُرفت الأموال العامة وأين ذهبت، ومحاسبة كل من قصّر أو تهاون بها.

الشروع في إصلاح حقيقي للإيرادات غير النفطية، وضبط المنافذ، وتوحيد التعرفة الكمركية، وترشيد الإنفاق، على أن تُدار هذه العملية بشفافية كاملة أمام الرأي العام.

-تقليص نفقات الدرجات العليا والامتيازات الممنوحة للمسؤولين، حتى لو لم يكن ذلك حلًا ماليًا جذريًا، بوصفه خطوة معنوية ضرورية لتقليص الفجوة بين المجتمع والسلطة، وإرسال إشارة بأنّ "زمن الحصانة".

الفقاعة المؤجّلة.. إصلاح موجع الآن أم انهيار لا طاقة للبلد به لاحقًا؟

رسالة العبيدي الأخيرة تتقاطع مع تحذيرات فريق "اقتصاديون" ومع خلاصات تقارير "بغداد اليوم": محاولة تخدير الشارع، أو الإيحاء بأنّ الأمور تحت السيطرة، أو الترويج لإمكانية تسديد المستحقّات كاملة وفي مواعيدها من دون كلفة، ليست سوى تضخيم لفقاعة مؤجّلة الانفجار. فكل فقاعة، مهما طال زمنها، مصيرها الانفجار، وعندها ستكون العواقب وخيمة ولا تُحمد عقباها.

بهذا المعنى، لم يعد السؤال اليوم: هل هناك أزمة؟ ولا إن كان رفع الرسوم الكمركية أو تغيير تعليمات الضرائب "صحيحًا" أو "خاطئًا" في حدّ ذاته. السؤال الحقيقي أصبح:

-هل يمكن إصلاح بيت أساسه مشروخ من دون إعادة هندسة أساساته؟ وهل يُمكن مطالبة الناس بتحمّل كلفة "إصلاح مالي" في ظلّ المنظومة السياسية والاقتصادية نفسها، ومن دون فتح ملفات الفساد الكبرى، ومن دون مصارحة كاملة بحجم الكارثة؟

العراق اليوم، كما يقول الخبراء، في قلب الإعصار بالفعل. الخيار المتاح ما زال قائمًا بين إصلاح موجع يُدار بإرادة سياسية واعية ومسؤولة، وبين انهيار يفرض أثمانًا لا طاقة للبلد بها. الفرق بين المسارين لن تصنعه الأرقام وحدها، بل الجرأة على مواجهة الحقيقة، وكسر الحلقة المغلقة التي جعلت كل أزمة جديدة مناسبة لتوسيع ثروات قلّة، على حساب شعب يدفع الفاتورة في كل مرّة.

في النهاية، قد يملك التاجر خيارًا بالتصعيد أو الإغلاق، وقد تملك الحكومة خيار التشدّد أو التراجع الجزئي أو فتح باب التفاوض، لكنّ المواطن العادي، الذي يقف في طابور السوق، لا يملك ترف الاختيار. فحين تُغلق الأسواق أو تضطرب حركة الاستيراد، أو ترتفع أسعار السلع بسبب الرسوم أو تكاليف التخليص أو تذبذب سعر الصرف، يكون هو الحلقة الأخيرة التي تتجمّع عندها كل الصدمات.

وفي ضوء كل ذلك، تبدو أزمة الرسوم الكمركية وتكدّس الحاويات والإغلاق المحتمل للأسواق اختبارًا مبكّرًا لخيارات العراق في المرحلة المقبلة: فإمّا أن تستمرّ الدولة في التعامل مع الإصلاح المالي بوصفه حزمة أرقام وأوامر إدارية تُطبَّق من أعلى إلى أسفل، من دون تغيير في بنية إدارة المال العام، ومن دون المساس بجذور الفساد وبشبكات المصالح التي تحكم المنافذ والعقود، وإمّا أن يُتّخذ من هذه الأزمة نفسها نقطة انطلاق لمقاربة مختلفة، تعترف بأنّ الإصلاح ليس زيادة رسوم هنا وهناك، بل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بالمجتمع وبالسوق.

الإصلاح الشجاع يعني أن تسأل الدولة نفسها أوّلًا: من الذي يجب أن يدفع الثمن الأكبر؟ هل هو الموظّف والمتقاعد والتاجر الصغير، أم أصحاب العقود الضخمة، والمحتكرون، والمتهرّبون من الضريبة، والمستفيدون من الفوضى في المنافذ؟ وأن تعلن، بوضوح، أنّ زمن الحصانات الاقتصادية قد انتهى، وأنّ القانون سيُطبَّق على الجميع، وأنّ أيّ دينار يُجبى من السوق سيُدار بشفافية ويُعاد استثماره في خدمة عامّة ملموسة.

أمّا الإصلاح الورقي، فيكتفي بتغيير بعض الجداول والتعليمات، دون أن يلمس البنية التي صنعت الأزمة، ودون أن يُقدّم للناس دليلًا واحدًا على أنّ أحدًا من أصحاب النفوذ دفع ثمن الفساد. في هذه الحالة، لن تكون أزمة الرسوم الكمركية الأخيرة سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة، يُدعى فيها المواطن دائمًا إلى الصبر، بينما تستمر ثروات القلّة بالصعود.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
غانم الجبوري : مابعد النار المشرقيه هل تتبعها معركه قرقيسيا ...
الموضوع :
النار المشرقية نار الفرج، فرج آل محمد..!
طاهر باقر : انا استغرب لماذا لابد ان يقدم شاب عراقي على الانتحار من اجل مسألة تافهة مثل هذه القضية ...
الموضوع :
انتحار طالب بعد عودته من الامتحان في واسط
باقر : والنعم من النواصب الدواعش والجولاني ..... والنعم من اتباع الصحابة ...
الموضوع :
الاردن يطرد عدد من اطفال غزة المصابين وعوائلهم بحجة ان الاردن مفلس
علي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نتمنى من أدارة المطار أن تسمح بدخول السيارات لأستقبال المسافر لأن نحن ...
الموضوع :
وزارة النقل تعلن قرب افتتاح ساحة النقل الخاص بمطار بغداد الدولي
الحسين بن علي : الحفيد للجد السعيد ياجد عُد فكلنا اشتقنا لرؤياك وضحكة محياك ياعذب الماء ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
باقر : انت غلطان وتسوق الاوهام.... حثالات الأرض هم أهالي تكريت والانبار وديالى والموصل.... ...
الموضوع :
حماقة البعث والوجه الآخر لتكريت.
ضياء عبد الرضا طاهر : حبيبي ھذا الارھابي محمد الجولاني ھو مثل جورج دبليوا بوش الصغير وترامب صعد وصار رئيس واستقبال حافل ...
الموضوع :
صورة للارهابي ابو محمد الجولاني عندما كان معتقلا في سجن بوكا عام 2005
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
فيسبوك