استيقظت العواصم العربية، أمس واليوم، على مشهد غير اعتيادي: قادة أجهزة الاستخبارات في 22 دولة عربية يجتمعون في بغداد، يتبادلون التقديرات والملفات، ويعلنون من هناك تسلّم جهاز المخابرات الوطني العراقي رئاسة المنتدى العربي الاستخباري بدورته السابعة، مع دعوة مباشرة للدول المعنية إلى تحمّل مسؤوليتها في ملف سجناء تنظيم داعش المنقولين إلى العراق.
في هذا المشهد، لا يظهر الجهاز كفاعل محلي فقط، بل كركيزة في هندسة الأمن الإقليمي؛ وهي الصورة التي يلخّصها الخبير في الشؤون الأمنية، العميد عدنان الكناني، حين يقول إنّ جهاز المخابرات العراقي "بات اليوم أحد أهم الأجهزة الفاعلة في معادلة الأمن الإقليمي"، بما يمتلكه من قدرات متقدّمة في جمع المعلومات والتحليل والعمل الاستباقي حيال التهديدات العابرة للحدود، ولا سيما في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة وأمن الدول.
هذه المادة ترسم صورة مركّبة للجهاز: نشأته وتحولاته، إنجازاته وملفاته، نقاط القوة والتحديات، ثم موقعه في سباق التكنولوجيا والأمن السيبراني، بعد القفزة الرمزية المتمثلة في رئاسته للمنتدى العربي الاستخباري.
من "مخابرات النظام السابق" إلى جهاز وطني تحت سقف الدستور
بعد حلّ جهاز المخابرات التابع للنظام السابق عام 2003، وهو الجهاز الذي ارتبط اسمه لعقود بالقمع الداخلي والعمليات السرّية في الخارج، اتجهت سلطة الاحتلال والحكومة العراقية المؤقتة إلى تأسيس جهاز جديد بهوية مختلفة. في نيسان 2004 صدر أمر سلطة الائتلاف (69) الذي أنشأ "جهاز المخابرات الوطني العراقي" كوكالة استخبارية مدنية، واجبها الدستوري جمع المعلومات وتقييم التهديدات وتقديم المشورة للحكومة.
خضع الجهاز الجديد لمسار معقّد في التأسيس؛ شاركت في بنائه جهات استخبارية غربية، مع حساسية عالية داخل العراق من إعادة إنتاج "مخابرات البعث" بوجه جديد.
اليوم يعمل الجهاز بوصفه مؤسسة مدنية ترتبط إدارياً برئيس الوزراء، وتخضع – نظرياً – لرقابة البرلمان وفق الدستور، بعد إقرار قانون جديد لتنظيم عمله أعاد رسم صلاحياته وحدّد علاقته بباقي الأجهزة الأمنية.
هذا الانتقال من جهاز قمعي إلى جهاز يفترض أن يكون "وطنياً" و"دستورياً" لم يكن انتقالاً تقنياً فقط، بل تحوّل في الفلسفة: من أمن نظام سياسي واحد، إلى أمن دولة يفترض أن تضمّ مكوّنات وفاعلين متعدّدين، مع ساحة إقليمية مفتوحة على صراعات متشابكة.
المهام والهيكل… من مكافحة الإرهاب إلى مراقبة التهديدات العابرة للحدود
تشير الأوامر التأسيسية والمواد الدستورية إلى أنّ مهام جهاز المخابرات الوطني تدور حول:
-جمع وتحليل المعلومات عن التهديدات الداخلية والخارجية التي تمسّ الأمن الوطني.
-مكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرّفة.
-مواجهة التجسس والاختراق لصالح دول أو جهات معادية.
-تعقّب انتشار أسلحة الدمار الشامل، والاتجار بالمخدرات، والجريمة المنظمة ذات الطابع العابر للحدود.
القانون الجديد الذي نُظّم عمل الجهاز وسّع من تعريف "الأمن الوطني" الذي يشتغل عليه، ليشمل مجالات الاقتصاد والأمن المالي والرقمي أكثر مما كان في السابق، وأثار في المقابل تساؤلات حول تداخل الصلاحيات مع أجهزة أخرى مثل جهاز الأمن الوطني والاستخبارات العسكرية، وحول الضمانات القانونية لعدم استخدام هذه الصلاحيات في صراعات سياسية داخلية أو في مراقبة الخصوم والمعارضين.
هيكلياً، يحتفظ الجهاز بتفاصيل تنظيمية سرّية، لكن المتاح من المعلومات يشير إلى تقسيمه إلى مديريات متخصّصة (للاستهداف الخارجي، ومكافحة الإرهاب، والمتابعة الداخلية، والتحليل الإستراتيجي، والتنسيق الدولي، والأمن التقني)، مع التزام صارم بالسرية في تداول المعلومات، وهي النقطة التي يشير إليها الكناني بوصفها "أحد أهم عوامل نجاح الجهاز"، حيث يؤكد أنّ غياب الظهور الإعلامي المتكرر "دليل مهنية لا ضعف، لأن طبيعة العمل الاستخباري تقوم على الإنجاز الصامت لا الاستعراض".
إنجازات معلنة… من الحرب على داعش إلى تفكيك شبكات التمويل العابرة للقارات
رغم أنّ الجزء الأكبر من عمل المخابرات يبقى في الظل، إلا أنّ السنوات الماضية شهدت سلسلة بيانات رسمية ترسم شيئاً من صورة "الإنجاز" الذي يتحدّث عنه المختصون:
-لعب الجهاز دوراً محورياً في تتبّع قيادات تنظيم داعش داخل العراق وخارجه، ما أسهم في تقليص قدرته على التخطيط للهجمات بعد انتهاء الصفحة العسكرية لتحرير المدن.
-أعلن أكثر من مرة عن "عمليات استخبارية نوعية خارج الحدود العراقية" أدّت إلى إحباط عمليات إرهابية والإطاحة بعدد من قيادات داعش المتورطين بارتكاب جرائم داخل العراق وخارجه، بعد تعقّبهم في أكثر من دولة وإعادتهم إلى القضاء العراقي.
-أسهم في إحباط عمليات إرهابية داخلية، عبر تزويد الأجهزة الأمنية بالمعلومات عن مخابئ متفجرات وأحزمة ناسفة، في بغداد ومحافظات أخرى.
-كشف عن تفكيك شبكات تمويل واسعة للتنظيم تعمل عبر دول متعددة، وتدير عمليات تهريب وتمويل للهجمات داخل العراق وخارجه، في إطار تعاون قضائي وأمني عابر للحدود.
-شارك في عمليات نوعية استهدفت قيادات الصف الأول والثاني في التنظيم، من بينها عمليات أُعلن فيها عن قتل قيادات بارزة بالتنسيق مع التحالف الدولي.
هذه الأمثلة – وغيرها كثير ممّا لا يُعلن أصلاً – تفسّر كيف تحوّل الجهاز شيئاً فشيئاً إلى "مركز ثقل" في معركة ما بعد داعش: من مطاردة عناصر على الأرض، إلى تفكيك بنية التمويل والاتصال والحركة التي تسمح للتنظيم بتجديد نفسه وإعادة الانتشار.
بغداد تقود المنتدى العربي الاستخباري… ما دلالة رئاسة العراق للدورة السابعة؟
المؤتمر الذي استضافته بغداد هذا الأسبوع ليس مجرّد فعالية بروتوكولية، بل تجمّع نوعي لقادة أجهزة الاستخبارات في الدول العربية ضمن إطار "المنتدى العربي الاستخباري".
أبرز ملامح ما جرى يمكن تلخيصها في نقاط:
-تسلّم جهاز المخابرات الوطني العراقي رئاسة الدورة السابعة للمنتدى، في خطوة اعتبرها كثيرون "استعادة لدور العراق المحوري في التنسيق الأمني العربي" بعد سنوات من انكفاء مؤسّساته الأمنية بسبب الحرب على داعش والانقسامات الداخلية.
-ركّز اجتماع رؤساء الأجهزة العربية على التهديدات المشتركة: بقايا تنظيم داعش، شبكات الجريمة المنظمة، تهريب المخدرات، أمن الحدود، والأمن السيبراني، مع تأكيد على أهمية تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي بين العواصم العربية.
-صدرت من بغداد دعوة واضحة للدول المعنية لاستلام رعاياها من سجناء داعش الذين نُقلوا إلى العراق من السجون السورية، وتحمل مسؤولياتها القانونية والأمنية حيالهم، في ملف شديد الحساسية يرتبط بما يُعرف بـ"القوائم السوداء" لأخطر عناصر التنظيم.
-رئاسة العراق لهذا المنتدى تمنح جهاز المخابرات موقع "منسّق" لا "متلقٍ" فقط في ملفات الإقليم؛ فهو اليوم ليس شريكاً في تبادل معلومات فحسب، بل منصّة يجتمع حولها الآخرون، وهذا يرفع سقف التوقعات من أدائه ويضعه في قلب المعادلة العربية في ملفات داعش، والحدود، واللاجئين، والمخدرات، وحتى الأمن السيبراني.
الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي… أين يقف الجهاز في سباق التكنولوجيا؟
طبيعة التهديدات التي تواجه العراق والمنطقة تغيّرت بشكل جذري خلال العقد الأخير؛ الإرهاب نفسه تحوّل من خلايا ميدانية فقط إلى منظومات تستعمل التشفير، والعملات الرقمية، ومنصّات التواصل، وخوادم منتشرة في قارات مختلفة.
دراسات عراقية عن علاقة الأمن السيبراني بالأمن الوطني تشير إلى أنّ الوزارات والمؤسسات تعرّضت لاختراقات متكررة، وأنّ العراق كان يحتل مراتب متأخرة في مؤشرات الأمن السيبراني خلال السنوات الماضية، ما يعبّر عن فجوة كبيرة بين حجم التهديد وقدرة الدولة على الاستجابة.
في هذا السياق، يتحدّث العميد عدنان الكناني عن أنّ جهاز المخابرات "طوّر أدواته بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات الحديثة، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني، وتتبع الشبكات الإرهابية، ومكافحة التمويل غير المشروع". هذا التطوير يمكن قراءته في ضوء:
-تركيز واضح في عمليات الجهاز الأخيرة على "شبكات التمويل" العابرة للحدود، والتي تعمل عبر تحويلات رقمية ومسارات مالية معقّدة تمتد من العراق إلى مناطق أخرى.
-مشاركة العراق في أطر تعاون إقليمية ودولية مخصّصة للأمن السيبراني، ضمن سعي رسمي لتحسين موقعه في مؤشرات الاستعداد السيبراني.
-الحاجة المستمرة إلى ربط وزارة الاتصالات والأجهزة الأمنية، بما فيها جهاز المخابرات، ضمن منظومة موحّدة لرصد الهجمات الإلكترونية، وتأمين البُنى التحتية الحرجة (المال، الكهرباء، النفط، البيانات الحكومية).
-مع ذلك، تبقى الفجوة التكنولوجية تحدّياً حقيقياً: سباق الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، واستخدام الخوارزميات في رصد الأنماط الشاذة في تحويلات المال والاتصالات، يحتاج إلى استثمار ثقيل في التدريب والتقنيات، وإلى بيئة قانونية تحمي الخصوصية ولا تحوّل الأمن السيبراني إلى ذريعة للتوسّع في المراقبة بلا ضوابط.
عوائق وتحديات… بين الاستقلالية والاستهداف والجدل الحقوقي
قوّة أي جهاز استخبارات لا تقاس بقدراته الفنية فقط، بل أيضاً بقدرته على الصمود في بيئة سياسية معقّدة، وبمدى احترامه لحدود القانون والحريات العامة. في حالة جهاز المخابرات العراقي يمكن رصد مجموعة تحديات بارزة:
-الاستقلالية عن الاستقطاب السياسي: تاريخ الأجهزة الأمنية في العراق مثقل باستخدامها لصالح أنظمة أو أحزاب؛ ولهذا تبدي مراكز بحثية وقوى سياسية قلقاً من أن تؤدي الصلاحيات الواسعة التي منحها القانون الجديد للجهاز إلى تداخل مع الصراع السياسي، إذا لم تُقرن بضوابط رقابية شديدة من البرلمان والقضاء، وبفصل واضح بين العمل الاستخباري المهني وبين حسابات السلطة.
-الاستهداف من الفاعلين المسلحين: سجلّ السنوات الماضية يضمّ حوادث اغتيال وهجمات استهدفت ضباطاً ومنتسبين في الجهاز، ربطتها تقارير محلية بصراعات مع جماعات مسلحة متضرّرة من تشديد القبضة الأمنية على منافذ نفوذها. بعض تلك الموجات اعتُبرت "رد فعل" على إجراءات حكومية ضد نفوذ جماعات مسلّحة.
-الجدل الحقوقي وحرية التعبير: في الفترة الأخيرة، أثير جدل إعلامي حول تدخل الجهاز في منع أو ضبط بعض الأنشطة الثقافية والإعلامية المرتبطة بخطابات متطرّفة، وهو ما يُقرأ من زاوية أمنية كجزء من "الحرب على الخطاب المتطرّف"، لكنه يفتح في الوقت نفسه باب نقاش حول حدود الدور الأمني في الفضاء الثقافي والإعلامي، وأين تنتهي مكافحة التطرف وأين تبدأ رقابة المحتوى.
-ثقة المواطن وشفافية الإنجاز: طبيعة العمل السري تعني أنّ المواطن لا يرى إلا جزءاً محدوداً من الصورة، فيما تبقى الأخطاء أو الإخفاقات أكثر لفتاً للانتباه من النجاحات الصامتة. ظهور روايات – ينفيها الجهاز أو يقدّم تفسيراً مختلفاً لها – حول تلقي إنذارات مسبقة بهجمات من دون استجابة كافية، يسلّط الضوء على حساسية "إدارة الرواية" في الأزمات، وعلى ضرورة بناء قنوات تواصل مدروسة مع الرأي العام، توازن بين السرية والحق في المعرفة.
هذه التحديات لا تخصّ العراق وحده؛ كثير من الأجهزة الاستخبارية في المنطقة والعالم تواجه معضلة مماثلة: كيف تحمي الأمن من دون أن تتحوّل إلى دولة فوق الدولة؟
أي مستقبل لجهاز المخابرات في ظل المتغيرات السريعة؟
رئاسة المنتدى العربي الاستخباري تمنح جهاز المخابرات العراقي فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره على مستوى الإقليم، لكنّها في الوقت نفسه تضاعف مسؤولياته.
على المستوى العملي، يمكن رسم ملامح مسار مطلوب في السنوات المقبلة:
-ترسيخ مبدأ الأمن الوقائي الذي يشيد به العميد الكناني؛ أي الانتقال من مطاردة التهديد بعد ظهوره، إلى قراءته مبكّراً عبر تحليل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، وربطها بحواضن التطرف والجريمة المنظمة.
-استكمال بناء القدرات السيبرانية، ليس فقط عبر شراء أنظمة وبرمجيات، بل عبر خلق "مدرسة عراقية" في تحليل البيانات والتهديدات الرقمية، تستفيد من الجامعات ومراكز الأبحاث والتعاون الدولي، وتربط بين المخابرات وباقي مؤسسات الدولة.
-تعميق الشراكات الإقليمية التي كرّسها المنتدى العربي، خصوصاً في ملفات معتقلي داعش والقوائم السوداء، بحيث لا يتحوّل العراق إلى "مستودع" للتهديدات المؤجلة، بل إلى نقطة توازن تفرض على الآخرين تحمّل نصيبهم من المسؤولية.
-تعزيز الضمانات القانونية والرقابية التي تطمئن المواطن والقوى السياسية والمجتمع المدني إلى أنّ توسيع صلاحيات الجهاز لن يتحول إلى أداة للملاحقة أو لتصفية الحسابات، بل إلى رافعة لحماية الكيان السياسي والاقتصادي للعراق.
في المحصلة، الصورة التي يرسمها المختص عدنان الكناني لجهاز المخابرات – بوصفه "ركيزة محورية في أمن المنطقة" تعمل وفق أعلى درجات السرية والاحتراف – ليست وصفاً مجانياً، بل انعكاساً لمسار بنيوي امتدّ من إعادة التأسيس بعد 2003 إلى رئاسة المنتدى العربي الاستخباري اليوم. لكن بقدر ما يملك الجهاز من أوراق قوّة، بقدر ما يواجه بيئة شديدة التعقيد: تهديدات متحوّلة، ساحة سياسية متقلبة، وثورة تكنولوجية لا ترحم من يتأخر عنها.
ما سيحسم صورة الجهاز في السنوات القادمة ليس فقط عدد الشبكات التي يفككها أو المؤتمرات التي يترأسها، بل قدرته على الجمع بين ثلاثة عناصر متلازمة: مهنية استخبارية حقيقية، واستقلالية عن الصراع السياسي، واستيعاب عميق لمعنى الأمن في عصر السيبرانية والبيانات الضخمة.
https://telegram.me/buratha

