التقارير

ماذا بعد الانسحاب الامريكي من المنطقة ؟!


 

محمود الهاشمي||

 

هنالك امران يسيران معا بشكل متواتر خلال العام الحالي (2020 ) الاول الدعوات المتواصلة للادارة الامريكية بضرورة انسحاب قوات بلادهم من الشرق الاوسط، والتي بدأ الاعلان عنها منذ عام ٢٠١٦ وأستلام رئاسة الولايات المتحدة من قبل ترامب ,الذي اكد سواء في حملته الانتخابية او بعدها "ان الشرق الاوسط لم يعد من اولوياتنا" "وان "نفط الخليج بات غير مهم"،  ثم اثقل الدول التي تنضوي تحت حماية بلاده بمبدأ (المال مقابل الحماية) والذي كلفها كثيرا سواء بالدفع المباشر او قبول صفقات الاسلحة كما كلفها خسران الكثير من سمعتها عبر الاساءة الى قياداتها امام الشعب الامريكي كما فعل ذلك مع( الملك سلمان بن عبد العزيز) وغيره.

الامر الثاني الاشتغال على ا(لتطبيع مع اسرائيل )واعداد مشاريع ومخططات في مقدمتها "صفقة القرن "لترتيب الاوضاع سواء لمستقبل اسرائيل او الشعب الفلسطيني والمنطقةعموما، وهذا الأمر اخذ الكثير من الوقت وان تكلف به "كوشنير" صهر الرئيس الاميركي، الا ان الولايات المتحدة ومعها اسرائيل استخدموا جميع ادواتهم لانهاء هذا الملف على اسرع ما يكون.

 الثيمة الاساسية لكلا  المشروعين  تتلخص بانسحاب عسكري امريكي من المنطقة يقابله الاطمئنان  على مصير اسرائيل ,بمعنى ان ترفع امريكا عن اسرائيل المعونات الاقتصادية، وان يتكفل "اصدقاء امريكا" من دول الخليج هذه التكلفة عبر سلسلة من الاجراءات تبدأ من "التطبيع السياسي" وتنتهي "بالتطبيع الاقتصادي" على ان تضمن هذه الدول وخاصة الخليجية الحماية من اي "اعتداء خارجي" او "انقلاب داخلي". عبر التعاقد مع جهة اخرى تتكفل ذلك.

 السؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا تنازلت امريكا عن منطقة الشرق الاوسط؟، هذا السؤال جوابه يطول, ولكن ليس معقدا فقد بات الشارع يفهمه قبل مراكز الدراسات الاستراتيجية، فالولايات المتحدة اخذت بالتراجع والضمور شيئا فشيئا على مستوى الاقتصاد بعد صعود الصين كمنافس قوي وعلى مستوى السياسة الخارجية وانسحابها من معظم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ورفعها شعار

 "امريكا اولاً "وعلى مستوى الداخل وتصاعد النزعة العرقية والافتراق السياسي بين الحزبين الحاكمين.

 وفقا لذلك فالولايات المتحدة تجد ان الانسحاب من المنطقة "الاقل خطرا" عليها(الشرق الاوسط) الى المنطقة "الاكثر خطرا" (المحيط الهادي) حيث "التنين الصيني" الذي يتقاسم معها المكان والنفوذ. الاعلان الامريكي الاخير عن الانسحاب من العراق وافغانستان وسوريا والصومال يوحي بجدية القرار فالظروف التي على الارض تنذر بذلك.

السؤال: ماذا لو انسحبت امريكا من المنطقة عسكريا؟ الجواب ان الانسحاب العسكري لا يعني في حدوده العسكرية انما هو "انسحاب نفوذ" فالولايات المتحدة لاتمتلك "عقيدة حاكمة " انما هي سياسة، تعتمد على صناعة الازمات او الدخول عليها وادارتها، وعلى القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية، وبهذا فليس هنالك من عقيدة تتركها خلفها لتدافع عن مصالحها او لديها مشتركات معها، فانسحابها عسكريا واقتصاديا سيترك فراغا كبيراً خلفها.

 لنحاول الان ان نحاكم قضيتين ,الاولى اسرائيل والاوراق التي لديها في مواجهة تحديات الشرق الاوسط دون الغطاء الامريكي!!.

 ان السرعة التي تتم فيها اجراءات "التطبيع "توحي –تماما- ان الولايات المتحدة لم يعد لديها الوقت الكافي لان تتأخر بسبب تسارع الاحداث والتراجع الذي تشهده في كافة الميادين حيث فشل مشروعها في العراق وسوريا وافغانستان والصومال وباتت مصالحها مهددة وذاهبة  الى المزيد من الخسائر اقتصاديا او الخسائر في الارواح تحت ضربات المقاومة ,كما بدات تخسر سمعتها واهتزاز موقفها في جميع المجالات، هذا الاسراع في "الاجراءات" يلامس القشرة الخارجية للاحداث فقد يمكنك ان تسوق الامراء والحكام والملوك الى التطبيع لكن لا يمكن ان تسوق شعوب المنطقة ,ان تقبل عدوا اجمع سكان العالم  على انه الاكثر جرائم ومجازر على الارض، ثم ان الارض الفلسطينية تتعدى ا"لجغرافيا الوطنية "فهي ارض المقدسات بتنوع الاديان وهي الارض المستلبة من "عدو غاصب" قتل شعبها وشردهم لياتي بشذاذ الناس ويسكنهم فيها دون اي حجة تذكر.

 صحيح ان اسرائيل تملك ان تؤثر في القرار السياسي الامريكي رغم ان نسبة اليهود في امريكا 3% فقط ولكن هو (تكتل ديني )يخضع لارادات دينية واقتصادية قادرة ان تحشد    ( 90%) منهم للمشاركة في الانتخابات لصالح هذا الزعيم او ذاك، مستفيدة من ضعف مشاركة الشعب الاميركي بالانتخابات ,  ولكن هذه الورقة بدات تحترق اطرافها فاليهود قليلوالانجاب وقد تزايد عدد المسلمين  والملونين هناك من المناصرين للقضية الفلسطينية ، ثم ان اصحاب رؤوس الاموال من اليهود الامريكان، اذا ما تحسسوا ان دعم اسرائيل يضعف امريكا فهم يميلون الى الحفاظ على الدولة التي تحفظ مصالحهم.!

وفوق ذلك  ان الحزب الديمقراطي الامريكي الذي طالما يدعمه اليهود تصاعدت خلافاته مع "الجمهوري" الذي ينذر بانقسام حاد يصل الى "تقسيم الولايات" .

السؤال الذي يتداوله الكثيرون : لماذا امريكا هي الراعية للتطبيع بين اسرائيل والدول الاخرى؟،ولماذا لا تعمل اسرائيل نفسها على هذا الملف بدلا من دخول طرف ثالث؟ هذا الامر فيه جنبتان الاولى ان الولايات المتحدة لا ترضى ان يكون لها "شريك "في المنطقة بل مجرد "عميل "يخضع الى ارادتها وليس لطموحاته ومخططاته، لذا فان اسرائيل مجرد كيان عميل ولا يحق له ان يتفاهم مع اي جهة في المنطقة دون الرعاية الامريكية، والتطبيع الاول بين مصر واسرائيل عام 1979 كان برعاية امريكية من اول خطوة الى اخر المشروع،  وكذلك مع الاردن وموريتانيا والامارات والبحرين فيما بعد، لذا نلاحظ ان القادة الاميركان هم من يعلنون عن موعد  (التطبيع )وليس اسرائيل او الدول المطبعة!!.

حاول بعض الكتاب اليهود في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ان يرسموا مشروعا بان تمد اسرائيل يدها لدول المنطقة لانشاء تكتل يوازي القطب السوفيتي والامريكي بالاستفادة من الثروة العربية الاقتصادية والبشرية، فاصطدم في مصدين الاول ان الولايات المتحدة ترفض صنع قطب موازنِ والثاني ان الصهاينة غير مقبولين في المنطقة عموما وتنظر لهم شعوب المنطقة انهم مجردعصابة مغتصبة لارض غير ارضهم, وليس لديهم سمات دولة !

 الملاحظ ان جميع الاجراءات التي قامت بها الولايات المتحدة قبل الاعلان عن التطبيع مع دول الخليج لم تلق نجاحا بل مجرد "قرقعة اعلامية" مثل (مؤتمر وارسو )و(ورشة البحرين) ومحاولة تشكيل تحالف عسكري يضم( 64 ) دولة، لهذا نرى ان اعلان التطبيع مع الامارات والبحرين لا يبتعد كثيرا عن الاجراءات الاخرى حيث وان لم يشهد ردود فعل جماهيرية وتظاهرات واحتجاجات في الشارع العربي والاسلامي، لثلاثة اسباب الاول قناعة الشعوب ان ذلك لم يغير في المعادلة السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية في شيء،  فالدول التي مضى على تطبيعها مع الصهاينة (٤١) عاما مثل مصر مازال الوضع فيها على ذات الحال  مجرد تطبيع حكومي محاصر بارادة الشعوب ورفضها لاي شكل من اشكال "الانسجام" مع الصهاينة وكذلك الاردن اما موريتانيا فقد ضاق الشعب ذرعا بالسفارة الاسرائيلية واضطرت الحكومة لغلقها، بعد عشر سنوات، وحين دخلت وزيرة خارجية موريتانيا الى صالة القمة العربية معلنة انتهاء التطبيع مع الصهاينة ضجت القاعة بالتصفيق. والثاني وباء كورونا ومخاطر التجمعات , والثالث (فوضى الربيع) وانعكاساته على الدول التي شملها بالانشغال بيومياتها.

نعود الى اصل سؤالنا: ماذا بعد الانسحاب الامريكي من المنطقة بعد الذي اسلفناه نحتاج الى مقال اوسع لنقرأ تداعيات ذلك على المنطقة ولكن نحاول الايجاز، حيث تعلم الولايات المتحدة ان اسرائيل ودول الخليج غير قادرة للدفاع عن نفسها في حال رفع الغطاء الامريكي عنها، لذا حاولت ان تغري حلف الناتو فلم تفلح ليكون بديلا عسكريا عنها لسببين الاول مطالبة الحلف بالكلف المالية، والثاني ان دول (حلف الناتو) لم تعد تتفاعل مع المشاريع الامريكية فاختارت تركيا الى هذه المهمة وقد وافقتها طمعا في عودة الامبراطورية العثمانية في الاستيلاء على الثروات في المنطقة ( النفط والغاز) وسرعان ما نشرت قواتها على مساحات واسعة في سوريا والعراق وليبيا واذربيجان و في البحار والمحيطات و سرعان ما صدمت بارادات قوية  وتشعبات يصعب على دولة بحجم تركيا ان تتورط بها.

 اذن نحن امام معادلة جديدة لم تعهدها المنطقة وهي انحسار النفوذ الامريكي وماسيعقبه،وكيف تراقب الدول الاخرى هذا المشهد.

1-ان الصين تراقب احداث الشرق الاوسط فلا تريد ان تتورط في اشكالاتها وتنظر في اتفاقيات كانت قد تعاقدت بها  مع دول المنطقة لتكون  ممهدة لطريق الحرير.

2- روسيا بدأت تملا اي فراغ عسكري تركته امريكا خلفها واعتمدت مبدا التوازن الذي يديم علاقتها مع الجميع.

٣- اوروبا ترى في الشرق الاوسط مشروعا اقتصاديا و ترى في ايران ممرا سالكا نحو اهدافها وان كانت خطواتها بطيئة ومربكة .

٤- ايران الخصم اللدود لامريكا واسرائيل هي الاكثر ثباتا وتضحية وعمقاً استراتيجياً في المنطقة، وبياناتها عن المنطقه تفوق الاخرين من المتابعة لما عانت من الحصار والضغوط على كافة الاصعدة اكثر من اربعين عاماً كما انها "الفوبيا" التي تهدد بها امريكا وعملاؤها المنطقة، وبذا فان انحسار  النفوذ الامريكي سيوفر لها فرصة لملء الفراغ وتركيز شخصيتها السياسية والامنية والسؤال: هل ستجد امريكا نفسها مجبرة للتفاوض مع ايران و ما هي اوراق الحوار و هل ان زيارة وزير خارجية سويسرا الاخيرة لطهران حملت مفاتيح الحوار؟ ايران دائما تطبخ طعامها على نار هادئة وهذا ما يفهمه خصومها.

5- فصائل المقاومة هي المعادل الاكبر لانها شكلت "الضاغط" المباشر والفاعل في اخراج امريكا عسكريا من المنطقة وعليها ان تملا الفراغ في البعدين العسكري والسياسي.

ما اسلفناه من  نقاط سريعة كاف لقراءة "ملء الفراغ" ولكن ارى من الصلاح ان تكون جميع الاطراف المتضررة من التواجد "الامريكي" قد رتبت اوراقها وتتحرك بهدوء وروية، فالمنطقة مقبلة على تحول حاد يحتاج الى حلول ناجعة, وفطنة.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 75.53
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.33
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
عراقي : الف شكر وتقدير على نشركم هذه الحقائق اتمنى من جميع الشباب قراءة هذه الاخبار لكي يكون عندهم ...
الموضوع :
هكذا يحتالون بإعلامهم .. لنكن أكثر حذراً
مها وليد : ياالله، بسم الله، كنت مع المشاركات تجربة جميلة 🕊️ اول مشاركة سلمت ورقه كتابة الخطبة ودرجتي 94 ...
الموضوع :
إعلان أسماء الفائزات في المسابقة الدولية الخاصة بحفظ خطبة السيدة زينب(ع)
سعد حامد : كيف ممكن ان نتواصل مع هذه المختبرات اريد عنوان بريدي لو سمحتم ...
الموضوع :
أمانة بغداد تفتتح اربعة مختبرات جديدة لفحص مياه الشرب
حسنين علي حسين : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته م/ تظلم ارجوا التفضل بالنظر الى حالتي ، في يوم السبت المصادف ...
الموضوع :
شكوى إلى مديرية مرور بغداد
فاطمة علي محمد : الابتزاز واحد اخذ صوري الخاصة يهدد بي ايريد مني فلوس 300 اني اريد ايمحسن صوري ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
حذيفة عباس فرحان : الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان الله يرحمك يا ابوي من ...
الموضوع :
اغتيال مرشح عن كتلة الإصلاح والتنمية في ديالى
علي : مقال رائع . ان الوهابيه والدواعش ينتهزون الفرص لابعاد الناس عن التشيع .بل ويعمدون ولو بالكذب الى ...
الموضوع :
عاشوراء: موسم لاختطاف التشيع
مازن عبد الغني محمد مهدي : بارك الله فيك على الموضوع ولكن هل هناك حاجة فعلية للصورة اخوك فى العقيدة والدين والخلق ...
الموضوع :
اكتشاف سر جديد من أسرار كربلاء..!  
مقداد : السؤال الا تعلم الحكومات المتعاقبه بما يحاك لها من إستعمال اسلحة دمار سامل بواسطة الكيميتريل وما هو ...
الموضوع :
مشروع هارب ... والحرب الخفية على العراق
محمد سعيد : الى الست كاتبة المقال لايهمك هذا المعتوه وأمثاله من سقط المتاع من لاعقي صحون أسيادهم وولاءهم مثل ...
الموضوع :
الى / الدكتور حميد عبد الله..تخاذل؟!
فيسبوك