المقالات

الرمزية في الشعر الحسيني الحديث


 

د. نعمه العبادي ||

 

مثل الشعر بأشكاله المختلفة أحد أهم الادوات والوسائط التي عرفت الجمهور الخاص والعام بالكثير من الجوانب المتعلقة بالإمام الحسين عليه السلام وثورته العظيمة، وقد تضمن أغراضاً مختلفة منها: (توثيق الحادثة- الافتجاع لظلامة الحسين وأنصاره في كربلاء- بيان خساسة العدو ومدى إجرامه- مواقف الثبات والشجاعة التي جسدتها الملحمة الكربلائية بكل فصولها- أحاسيس ومشاعر الولاء لمحبي الحسين واهل بيته - الربط بين التحديات الزمنية والمكانية اللاحقة  وإسقاط ثورة الحسين عليها- إستنهاض الهمم لمواجهة الظلم- تأملات وجدانية في عشق الحسين - فكرتي النصرة والخذلان - ديمومة الذكر والعطاء الحسيني- أغراض خاصة)، وقد ظهرت هذه الاغراض بقوالب شعرية مختلفة منها الشعر العربي الفصيح، وأكثرها عبر الشعر الشعبي (الذي سهل تداوله وتعاطيه من قبل الجمهور الحسيني خصوصا في العراق وبعض الدول العربية)، ومن المؤكد ان هناك نتاجاً شعرياً وأدبياً آخراً عن الحسين وقضيته بلغات أخرى مثل الفارسية والتركية والاوردية، ليس هنا محل الحديث عنه.

تطور الشعر الحسيني  مثله مثل نماذج الشعر  الاخرى بطريقة معالجته للإغراض التي ينشدها، وكما كانت الاجيال القديمة منه منشدة الى التعبير المباشر، ومتكئة على اللفظ وجمالية التعبير عبر تلاعب الشاعر الذكي بالتراكيب اللفظية والنسق الجملي للنص، واستخدام المباشرة في معالجة الغرض، نحت أجياله الحديثة تدريجياً نحو الرمزية وزيادة التعبير المعنوي، والإتكاء على الصورة بشكل رئيس.

إن الرموز تختلف باختلاف أشكال بنائها، فمنها رموز تستغرق القصيدة كلها، وتشكل محاورها، وأخرى تُعد جداول صغيرة تتدفق من شعاب جانبية، وتصب في المجرى الكبير لتلتحم به، وبوسعنا أن نقسم الرموز إلى نوعين رئيسيين: أولهما- الرمز الجزئي وهو أسلوب فني تكتسب فيه الكلمة المفردة أو الصورة الجزئية قيمة رمزية من خلالها تتفاعل مع ما ترمز إليه؛ فيؤدي ذلك إلى إيحائها، واستثارتها لكثير من المعاني الخبيئة، وتشع هذه الصور وتلك الكلمات لارتباطها بأحداث تاريخية، أو تجارب عاطفية، أو مواقف اجتماعية أو ظواهر طبيعية، أو أماكن ذات مدلول شعوري خاص، أو إشارات أسطورية معينة وتراثية عامة، والشاعر في تعامله مع هذه الأشياء يرتقي بمدلولها المتواضع عليه إلى مدلولها الرمزي، ثانيهما- الرمز الكلي، وهو معنى محوري شفاف، مجسد في إحدى الظواهر المادية، تتمركز على أرضه جلّ الصور الجزئية التي تتوزع العمل الشعري، وتشده نحو هدف جمالي منظور ويربطها به ينبوع التجربة الشعورية.

تعد القوى الابتكارية أو الابتداع الذاتي عند الشاعر الذي تتراكم لديه المكونات الثقافية الهائلة، ومخزونات الصور المتفردة والتراكيب الشعرية البديعة أحد منبعي الرمز الأساسيين.

أحصى العلامة والشاعر الحسيني المرحوم جواد شبر في موسوعته الرائعة (أدب الطف وشعراء الحسين) أجيالاً من الشعر والشعراء، وتابع سيرتهم ودون أبرز قصائدهم مع تأكيده ان هذا الاحصاء ليس إستقراءً شاملاً وتاماً، وبمناسبة الحديث عن هذا العمل، لا بد من التأكيد على ان ادب الطف وشعر الحسين، بل وكل النتاج الادبي والانساني المتعلق بالحسين (ع) لم يحصل على أدنى ما يستحق من الجهد العلمي والمعرفي، وهو مادة ثرية مهمة وحيوية وفيها من الافكار والاغراض والسير والتاريخ والفلسفة وقضايا اخرى ما لا يخطر على بال أحد، لذلك، أتمنى ان تتوجه انظار المشتغلين إلى هذا النتاج سواء في انجاز الدراسات الضرورية او حتى في نشر هذا التراث وجعله بمتناول اليد، فكم من المحسنين ساهم في نشر ادب الطف وشعر الحسين، وكذلك في كل النتاج المعرفي الذي يتصل بهذه الملحمة الانسانية الخالدة.

يشتغل الشعر الشعبي بشكل اكبر وأوسع مساحة على القضية الحسينية، فهو مادة الرثاء والعزاء ومعظم الفعاليات التي تقام في موسم عاشوراء، وقد قفز هذا الشعر قفزات كبيرة من حيث نضوجه وجاذبيته، وطريقة المقاربة التي يستخدمها، وبمقارنة بسيطة بين اللطميات التي كانت متداولة قبل سبعين او مائة سنة وما نسمعه الآن يظهر الفرق واضحاً من حيث شكل ونمط وطبيعة القصيدة.

الفارق الجوهري بين القصيدة القديمة والحديثة، ان الاولى معتمدة بشكل كبير على الصياغات اللفظية وجمالياتها، وتناقش في اكثر الاحيان اكثر من موضوع في النص ذاته، وتميل الى المباشرة بشكل أكبر، بينما الحديثة، قصيدة صورة، تقوم على اساس الحبك الدرامي لموضوعها، وهي أقرب إلى القصة، وغالبا ما تكون سرديتها قصة واحدة، وتستعمل الرمز في التعبير بشكل اكبر.

مما لا شك فيه، ان الرمزية، اعطت الشعر الحسيني روحاً من التجديد والجمالية، ووسعت من دائرة التعبير الذي تتعامل معه، كما، انها تطلبت من الشاعر مستوى ارقى من الوعي والثقافة والفهم الاعمق للافكار، الأمر الذي جعل الفوز بقلوب السامعين أمراً صعباً.

ومع هذه الاهمية للرمزية إلا ان هناك إشكالية مهمة لا بد من استكمالها في هذا النص، تتعلق تحديداً بالشعر الذي يلقى في الفعاليات التي يتطلب فيها تفاعلاً واضحاً من المتلقي وفي مقدمتها قصائد اللطم وابيات النعي والاحياءات الشعبية، فإن هذا الوضع، يحتاج إلى تلقائية اكبر وصدق اعمق في التعبير، ولمس مباشر للمشاعر، فمن الصعب على المستمع البسيط الذي يعيش حالة الانفعال المباشر او هو في لحظة حزن وانكسار، ان بقوم بتفكيك الرموز وبحث التأويل والصور البعيدة، بحيث يتشتت ذهنه، او يصبح مجرد منساقا مع اللفظ دون ان ينزل الى المعنى الى وجدانه ويلامس اعماقه ويغير فيه، إذ ينحى البعض اليوم الى تعسف كبير في محاولة خلق صور رمزية على حساب بنية القصيدة ومسارها، ويجهد نفسه في انتزاع صور لا علاقة لها بالموضوع الحسيني وزجها في النص لمجرد تصوره انها تجعل القصيدة مميزة، وليتذكر الجميع ان قصيدة مباشرة مثقفة وصادقة مثل (يا حسين بضمايرنه.. احنا بيك آمنه)، هزت الوجدان، وتناقلتها الاجيال وحفظتها، ولا زالت تلمس الارواح بعمق، وقد وفق البعض لنصوص فيها مثل هذه الدافعية وكمثال لا للحصر ما حملته حماسية مرتضى حرب (ذبوا عمايمهم..).

قد يتصور الكثير ان شعر الحسين مجرد مرثيات وكلمات تلقى في المناسبة واحياء الذكر إلا ان المتابع المطلع يدرك حجم الوعي والصور النمطية بإشكالها المختلفة المتعلقة بالواقعة وشؤونها التي صنعها الشعر والادب الحسيني بأشكاله المختلفة.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1538.46
الجنيه المصري 79.87
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
اه : احسنت في وصف السيد السيستاني نعمة من اكبر النعم واخفاها !!!!! انه حسن العصر فالعدو متربص به ...
الموضوع :
شكر النعمة أمان من حلول النقمة
ازهار قاسم هاشم : السلام عليكم : لدي اعتراض بعدم شمولي بقانون خزينة الشهداء بابل علما انني قدمت الطلب كوني اخت ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
ali alsadoon : احسنت استاذ . كلام دقيق وواسع المضمون رغم انه موجز .يجب العمل بهذه التوصيات وشكل فوري . ...
الموضوع :
خطوات للقضاء على التصحر وخزن المياه الوطنية 
رأي : لا اتفق فلم تثمر الفرص الا لمزيد من التسويف وعلى العكس نأمل بارجاع الانسيابية وعدم قبول الطلبة ...
الموضوع :
مقترحات الى وزير التربية ..
رسول حسن : احسنت بارك الله فيك. سمعت الرواية التالية من احد فضلاء الحوزة العلمية في النجف الاشرف : سأل ...
الموضوع :
يسأل البعض..!
رأي : الله يلعنهم دنيا واخرة والله يحفظ السيد من شرار الخلق اللي ممكن يستغلوهم اليهود ...
الموضوع :
بالفيديو .. تامر اليهود على الامام المفدى السيد السيستاني
Riad : تخرجة من كلية الهندسة وتعينت بعد معاناة دامت ٨ سنوات وجمعت مدخراتي ومساعدة الاهل وتزوجت ورزقني الله ...
الموضوع :
النظر في قانون الاحوال المدنية وكثرة الطلاق في العراق
حسن عطوان عباس الزيدي : رحم الله الشيخ الصدوق الصادق اسميه الصادق لانه عاش فتره متسلسة بعد استشهاد الامام الحسن العسكري والامام ...
الموضوع :
الشيخ الصدوق حياته وسيرته / الشيخ الصدوق رجل العلم والفضل والاجتهاد
رسول حسن : اولا منصب رئيس الجمهورية ليس من حقكم بل التنازلات جرأتكم على الاستحواذ عليه ثانيا انتم متجاهرون بالانفصال ...
الموضوع :
مهزلة المهازل ..... حزب البارزاني: طلبنا “عطوة” من المحكمة الاتحادية بشأن نفط كردستان!
yous abdullah : ما استغرب كل هذا منهم هم عباد السلاطين والظالمين لكن يوم القيامة قادم وعند الله تجتمع الخصوم ...
الموضوع :
بالوثائق الشيعة كفار يستحقون القتل: فتاوى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن ابن جبرين !!
فيسبوك