المقالات

توفيق..!  

186 2020-07-13

محمد وناس ||

 

لاني الابن الاكبر  وبشقاوة الصغار احول البيت الى مضمار لعب . اقلب كل ما فيه فلا اترك اناء او فرش او غرض الا وحولته الى لعبة .

ولا تملك امي وسيله للتخلص مني الا بإرسالي مع والدي صباحا الى عمله عسى ان اشبع شغفي باللعب وتتفرغ هي لإعمال البيت .

يصطحبني والدي معه الى العمل في احدى ارياف مدينه المحاويل حيث تقوم الدائرة التي يعمل بها بصفة سائق بلدوزر بإنشاء طريق ريفي , ليتركني عن صديق له العب مع ابناءه

من بين ابناء هذا الرجل الطيب تعرفت على توفيق ذلك الصبي بشعره الكثيف ومشيته المميزه (وشداشته البازه ) , للتحول الى صداقة استمرت 39 سنة .

كبرنا معا نحمل نفس الهموم ونفس الامنيات والتطلعات . يوجعنا نفس الالم , نهرب من واقعنا معا . نحلم معا . نقراء نفس الكتب , نعترض معا لنفس الموقف .

 ثم  نتزوج معا في نفس الشهر

لم يكن توفيق من اصحاب الشهادات الجامعية العليا , ولا شيخ عشيرة , ولا وجيها تلجئ اليه الناس لقضاء حوائجها .

كلماته بسيطة ,جمله عفوية  مصحوبة بابتسامته المميزه وسماحة وجهه ونظرات عينيه البريئة .

من بين مجموعة الاصدقاء الصغيرة تلك كان توفيق الوحيد الذي يملك عملا منتظما يوفر له الحد الابسط من متطلبات المعيشة لعائلته مع  ست اطفال وزوجة , وثلاثة  من العاطلين عن العمل يقضون  طوال النهار في محله يقرعون   اكواب الشاي المجاني التي يغدقها علينا  توفيق مع سجائر سومر بلا فلتر,  وحواراتنا  السياسية تستولي على جل حديثنا , في زمن يعد الحديث عن السياسة جريمة كبرى عقوبته االاعدام . فنحسب انفسنا بهذه الاحاديث قد استوعبنا كل هذا الفن وأشبعناه تحليل وتفصيل 

وعند نهاية النهار  في بعض الاحيان كيس صغير فيه بعض حبات الخضار لأحد هؤلاء الجلاس  الاجبارين عندما لا يجد ما يُقيت اولاده.

وغالبا ما يجرنا معه الى بيته المتواضع  بغرفة ومطبخ وحيز صغير للجلوس , بسقفه المتهاوي المكون من جذوع النخل . لنشاركه غداءه المميز (فاصوليا وتمن )

حين يكون الفقر عنوان لمجتمع ما بكل مكوناته , وتكون كل الممارسات الطبيعية للإنسان الاعتيادي في حكم الممنوع , بداء من  العقيدة التي تعتنقها الى حرية التعبير عن الرأي , حتى نوع الطعام الذي تأكله يخضع لقوانين . وانتهاء بحق الحياة . ,

 وحين تكون كل جزئيات حياة الفرد اليومية تحت مجهر السلطة ومراقبتها , تتحول الحياة الى سجن كبير لا نهاية لأمده الا الموت , ويصبح الاستمرار فيها نوع من التعذيب الذي لا ينتهي .

ابتسامة توفيق وعفويته وإيمانه الغريب بالغيبيات وقدرة الاحجار على تحقيق المعجزات , تصبح حينها  الوسيلة الوحيدة لتخفيف هذا الضغط وتحويل كل هذه القسوة الى ابتسامة .

في احدى امسيات خريف  2010 اجتمعنا نحن  الاربعة في بيت احدنا وبعد العشاء قررنا زيارة صديق اخر لنا , عند خروجنا حذرنا صاحب البيت انه يملك كلب حراسة وهو الان طليق وقد يهاجمنا عند خروجنا وان علينا الحذر منه ,

وباستهزاء كبير مع ابتسامة عريضة  قلت انه لن يهاجمني فانا احمل احد احجار توفيق المباركة والتي تمنع عني الكلاب وان من سيقع طعما لهذا الكلب هو صديقي توفيق الذي تخلى عن حجرة الكريم وأعطاه لي هذه الليلة .

وبين مزاحنا وضحكات توفيق , وجدت نفسي مستلقيا على الارض وقد مزق الكلب سروالي وادمى قدمي اليمنى  .

لترتفع ضحكات توفيق الى اقصاها مع عبارات السخرية المتبادلة من الاصدقاء طول الطريق ونحن متجهون الى بيت صديقنا الاخر .

قبل ان تتوقف السيارة في الباب رن هاتف توفيق ليخبرنا انه سوف يذهب برفقه ابو وسام ( الذي كان يقود السيارة ) في عمل ويعود سريعا قبل ان نشرب الشاي عند صاحب الدار

في داخل الدار  ونحن نقلب ملاعق الشاي في اكوابها واذا بصوت انفجار ليهب كل الجالسين للخروج .

سيارة ينبعث منها الدخان وحراس البناية المقابله يصوبون رصاصهم نحو السيارة ونحونا  وهم يصرخون بأعلى اصواتهم سيارة مفخخة ,, رجل واقف عند باب السيارة والدخان يخرج من بين شعره في صورة تشبه افلام هوليوود . وهو يصرخ بأعلى صوته مات توفيق ... 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 74.52
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.76
التعليقات
زيد مغير : نفهم من هذا الموضوع أن هناك نية لتبرية المجرم الذي باع الموصل اثيل النجيفي . العيساوي امس ...
الموضوع :
الداخلية: إطلاق سراح مهدي الغراوي بكفالة والقضية ستتابع من قبل المحاكم المدنية
عبد الله : مع الاسف يا شيخ حينما قرأت بداية المقال لفت نظري جراتك على قول كلمة الحق بوجه المرأة ...
الموضوع :
دور المراة في تزييف الحجاب الشرعي
المهدي : المقال جميل سلم يراعي أيها الفاضل حتى الحيوان يعلمنا الحكمة نأخذ منه العبرة ...
الموضوع :
البقرة العطشى  
Nacem : الموضوع وعن علاقة الثورة الاسلامية في ايران مما اثار المجرم فأمر جلاوزته بتعذيب السيد الشهيد تعذيباً قاسياً ...
الموضوع :
من هي  الشهيدة آمنة الصدر بنت الهدى؟!
أمير الخياط : الحمد لله الذي اكحل عيوننا بالنظر إلى إعدام الطاغية اللعين صدام وأعوانه ...
الموضوع :
حقيقة رسالة آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر إلی صدام!
هادي محمد حسبن : يبدو من المقطع والتوضيح الرسمي عدة أمور.. منها. من يسمح له بدخول السيارات إلى المدرج وقرب الطائرة.. ...
الموضوع :
توضيح رسمي لتأخر إقلاع طائرة عراقية ساعتين "بسبب عائلة مسؤول"
مازن : معالي لوزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم ملحوظة جنابك الكريم يعلم بان القوانين والانظمة الادارية الخاصة بالجان ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
زيد مغير : سألوا المرحوم المقدم ق خ وفي العميدي الذي اعدمه المجرم عدنان خير الله بأمر من الجبان صدام ...
الموضوع :
لمن لا يعرف سلطان هاشم.. وبط.. ولاته  
أبو علي : االشهيدان قاسم سليماني وابو مهدي المهندس قتلا بواسطة طائرة مسيرة إنطلقت من القاعدة الأمريكية في قطر وبعد ...
الموضوع :
ايران: الانتقام المؤلم للشهيد قاسم سليماني ورفاقه لم ينته بعد
عدي محسن الجبوري : ان حالات الاصابة كبيرة الا انه لا توجد مصداقية تامة وشامله في هذا الوباء فسابقا كانت حالات ...
الموضوع :
الصحة: تسجيل 1927 حالة شفاء ووفاة 96 مصاباً واصابة 2553 خلال الـ24 ساعة الماضية
فيسبوك