المقالات

من أشد الضرورات إلحاحا


 

حميد الموسوي

 

الحقيقة التي يجب أن يعيها الجميع، وأن يسلم بها القاصي والداني، وأن يثقف عليها الحاضر والبادي هي أن عهد التهميش والاقصاء وامتهان الآخر قد ولى الى غير رجعة. ومن يحاول الغاء بقية مكونات الطيف العراقي واحتكار القرار فهو غارق في وهم الحكم الفردي الشمولي الذي لم يعد له مكان في العراق. وأن حكومة الوحدة الوطنية ليست شعارات فضفاضة ولا لافتات براقة للتسويق والاستهلاك المحلي بل هي حكومة تستوعب كل اطياف ومكونات الشعب العراقي الصابر دون استثناء أو تمييز. ومن هنا -وتأسيسا على هذه الحقيقة- نصّر على إشراك الجميع في الحوارات والمباحثات للحيلولة دون الانفراد بطرح الآراء والأفكار مهما كانت بساطتها بحيث يعرف المشاركون أن مقترحاتهم محل تقدير وترحيب وأن قبولها ورفضها متعلق بمدى ملائمتها للوضع الجديد، وبالمقدار النفعي الذي يصب في خدمة المجتمع وبناء العراق الجديد، كما أن رفضها بسبب أو لآخر لا يعني تهميش أو إقصاء مقترحيها. لا بل يتجاوز الأمر ذلك ويتعداه عند مناقشة القرارات الهامة والتي على تماس مباشر بالحياة اليومية للمواطن الى إشراك مؤسسات المجتمع المدني ليتسنى للرأي العام الاطلاع على الأهداف المرجوة من ذلك القرار قبل أن تفاجئ الجماهير بمفرداته المعلنة.

إن مرحلة الشد والجذب في تشكيل الحكومة الدائمة وما صاحب مسارها من تلكؤ وعثرات ستمر شأنها شأن سابقاتها من الشدائد والأزمات والمخاضات العسرة والمؤلمة ولا ضير فصعب العلا في الصعب، والسهل في السهل وهل تكون الحياة عظيمة بغير ألم عظيم؟.

ففترة السنوات الأربعة المقبلة تتطلب من الحكومة بكل مفاصلها تفعيلا جادا لدور القوى الوطنية المجتمعية لتكمل دور الحكومة في مرحلة البناء واعطاء الجماهير زمام المبادرة في تشخيص الانحرافات التي ترافق الممارسات الاقتصادية والانشطة الادارية والخدمية لأجهزة الحكومة. حيث أن وجود الجمعيات الانسانية، والمنظمات الشبابية، والنسوية، والنقابات المهنية والحرفية يساعد بشكل واضح في بلورة الحالة الديمقراطية إذ تساهم هذه القوى -المنفصلة عن الحكومة من جهة والمرتبطة بها عن طريق التمثيل البرلماني- تساهم بالحد من سلطات الحكومة بالقدر الذي يبرز الحالة الديمقراطية كممارسة عملية ميدانية. ومثلما يحتاج النشاط الجماعي الى الاشتراك الفعلي في العملية السياسية فإنه يحتاج بالمقابل الى متابعة مستمرة لسلوكه ومراقبة التفاعلات التي تحدث بين أعضائه لتذليل الصعوبات قبل أن تتفاقم وتحجيمها. كما إن مسالة إصدار القرارات منوطة بالدراسة الوافية للظرف المرافق والموافق أو المعارض للنتائج المتوخاة من إصداره فالقرار الناجح مرهون باختيار اللحظة المناسبة والظرف الملائم والاستعداد الكافي وإلا فسيكون متخبطا وفاشلا بالنتيجة.

وقد يؤدي تنفيذه الى مضاعفات ونتائج عكسية تضطر المعنيين الى إلغائه، وهذا الاجراء بحد ذاته يسبب حرجا وضعفا لمصادر ذلك القرار.

إن العمل الجماعي يتميز عن المحدودية الرسمية وقيودها بالانفتاح على التجارب العالمية والاستفادة منها بوضع آليات عمل ديناميكية متطورة تتماشى جنبا الى جنب مع الطفرات التي تخطوها أنظمة العالم المتمدن يوما بعد آخر وهذه النقطة بالذات توفر مرونة كافية في الاختيار والاداء وانسجام العمل.

لعل من أبرز مقومات نجاح الحكومة المقبلة التخطيط القائم على تراكم الخبرات، والاستعانة بالمختصين من خارج الإدارة لاسناد وتصويب عمل الملاكات الداخلية، على أن تكون هذه الخطوة مسبوقة بتحديد الأهداف وتقديم الأهم منها وفق متطلبات المرحلة والظرف الراهن. فخطوات بهذا التنسيق والتطلع البعيد للمستقبل من شأنها الابتعاد عن القرارات الفردية والحلول المتسرعة وهذا بحد ذاته يشجع كافة الأطراف على الدخول في العملية ويحث على الاستمرار في الحوارات التي تفضي الى ايجاد حلول لكل المشاكل المستعصية من خلال عرض البدائل من كل الأطراف المساهمة ليقع الاختيار على أفضلها مع مواكبة تقييمية مستمرة لنوع ومستوى الاداء في تنفيذ مضامين القرار.

لاشك أن التواصل بين السياسيين في داخل المؤسسة الحكومية من جهة وبينهم وبين مؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى يجب أن ينصب على الموضوعات مثار الجدل متجاوزا الأشخاص وأن يكون مسألة فكرية تعترض وجود جسور مشتركة ومصلحة وطنية عليا فوق كل اعتبار وتبني كل ما من شأنه التمهيد للوصول الى الحلول المطلوبة، ونظرا لوجود الترابط والتداخل الكبيرين بين مهام القطاعات المختلفة والوزارات التي تتشكل منها السلطة التنفيذية صار من اللازم والحتمي أن تدعم الوزارات مؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بها ثم يمتد التعاون ليشمل الوزارات الأخرى ولو على سبيل الاستشارة وابداء الرأي.

من المؤكد أن الآراء ستتعدد، وتختلف وتتصارع. وربما ستتفق في نهاية المطاف إذ لا بد أن تصل تلك الحوارات الى طرح ناجح يشمل جميع متبنيات الجهات المشتركة في الحوار خاصة وأن الكل يسعى الى تحسين ظروف العراق الأمنية والاقتصادية والسياسية والخدمية والاجتماعية.

عليه بات من أشد الضرورات إلحاحا تظافر جهود كافة الأحزاب والحركات الوطنية والهيئات والمؤسسات الاجتماعية، في صياغة برنامج وطني للبلاد يوضع امام الحكومة المقبلة ويساعدها في تنفيذ مشاريع اعمار العراق. على أن يحيط هذا البرنامج بكل ما يتمناه المواطن العراقي من استتباب الأمن والطمأنينة وتوفير فرص العمل واعادة الخدمات واصلاح الخراب الشامل الذي طال جميع مرافق الحياة في العراق فأمام هذا الكم الهائل من الضرورات، وإزاء هذا التراكم المهول من الأزمات والمخلفات تقف أي حكومة ومهما كانت قوتها عاجزة ما لم تكن مدعومة ببرنامج وطني شامل ومشاركة مخلصة من جميع مكونات هذا الشعب الصابر وحركاته السياسية ومؤسساته المدنية بحيث تنصهر آراؤها وأفكارها وطروحاتها متجانسة في سبيكة فريدة التكوين عالية المواصفات.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1351.35
الجنيه المصري 69.3
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 328.95
ريال سعودي 318.47
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.78
التعليقات
ابو غايب : اغلب ما قاله كاتب المقال صحيح لكن المشكله اليوم ليست قناة فضائية فقط ،، هل نسيتم محلات ...
الموضوع :
هنيئا لكم يا عراقيين، فإننا نتجه نحو عصر عراق الـ  mbc..!
Mohamed Murad : الخزي والعار لشيعة السبهان الانذال الذين باعوا دينهم لابن سلمان بحفنة من الريالات السعودية القذرة ...
الموضوع :
هل ان الشهيد المنحور زكريا الجابر رضوان الله عليه هو غلام المدينة المقتول المذكور في علامات الظهور؟
ابو سجاد : السلام عليكم موضوع راقي ولكن....احب ان انوه بان التسلسل رقم 14 هو محطة كهرباء الهارثة (بالهاء)وليس محطة ...
الموضوع :
الكتاب الأسود للكهرباء: من الألف الى الياء  
منى رحيم : هل يحق لزوجة الشهيد الموظفة منح الزوجية مع وجود تقاعد لبناتها القصر فقط تقاعد ابوهن الشهيد ...
الموضوع :
نص قانون التعديل الاول لقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008
Yasir Safaa : السلام عليكم زوجتي معلمه عدهه خدمه 14 سنه وتركت العمل كانت تتمتع باجازه سنتين بدون راتب وبعد ...
الموضوع :
قانون التقاعد الجديد يمنح الموظفة حق التقاعد بغض النظر عن الخدمة والعمر
عباس فاضل عبودي : السيد رئيس الوزراء المحترم م/ طلب تعين أني المواطن ( عباس فاضل عبودي ) ادعو سيادتكم لنضر ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
Mohamed Murad : اوردغان يبحث عن اتباع وليس عن حلفاء ... ...
الموضوع :
بغداد وانقرة .. تصحيح المسارات وترتيب الاولويات
Mohamed Murad : كل من يحاول ان ينال من الحشد الشعبي فهو يكون ضمن المشروع الامريكي السعودي الصهيوني ....#بخور_السبهان ...
الموضوع :
العصائب تهدد بمقاضاة قناة تلفزيونية تابعة لعمار الحكيم بتهمة "القذف"
سعد السعداوي : كيف تطلب مؤسسة تقاعد النجف الوطنية شهادة حياة المغترب والموجود حاليا في المحافظة. فلماذا لا يحضر المتقاعد ...
الموضوع :
هيئة التقاعد الوطنية في النجف الاشرف تعاني من ضيق المكان
فيسبوك