المقالات

عندما يخير الإنسان بين السلة والذلة.

337 2017-03-12

عندما كنت طفلا صغيرا, مقر ولادتي وسكني, في مركز مدينة النجف الأشرف القديمة, حيث مسكن كثير من العوائل الدينية, وكانت منطقتنا قريبة من مرقد الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلوات, كانت الشوارع تعج بطلبة العلوم الدينية, فربطتنا بهم صلات الصداقة والنسب أحيانا, بحكم التجاور والمعرفة الحميمية. 

تغير كل ذلك, بعد أن إغتصب البعثيون الحكم في العراق, وصارت الحوزة العلمية وطلبتها, عدوهم الأول, فأستهدفوا بيوتاتها المعروفة بالعلم, كأل الحكيم وأل الصدر وأل بحر العلوم, وأل ياسين وغيرهم كثير.. ولم يسلم منهم حتى البيوتات التي أشتهرت بتعاطي الشعر والأدب فقط. 

بحكم عمري الفتي, لم أكن أستوعب الصورة الكاملة للوضع, لكني كنت ألتقط بعض المفاهيم, وأختزنها في ذاكرتي كأي طفل, وأحتفظ بتساؤلاتي في أعماقي, لما عشناه من رعب في تلك الفترة, حيث نشاهد القتل والتنكيل, والإعتقال, لعوائل بأكملها, لا لذنب سوى أنها عوائل علمائية؟! 

بحكم قرب أل الحكيم, من منطقتنا, ووجود تواصل وعلاقة, كنت وأنا صغير, أسمع عن ما جرى عليهم من تنكيل, وإعتقال لأغلب رجال الأسرة, بل ولبعض أولادهم, ممن كنت ألعب معهم.. ولم أفهم السبب حينها, فهؤلاء صبية, كيف يمكن أن يكونوا معارضين للدولة؟! وما هو تأمرهم؟ وكيف قبِل محمد باقر الحكيم, وكما سمعت حينها أنه "معارض" وهو وصف لم أفهم معناه حينها.. لم أفهم كيف قبل أن يعدم أهله, ويشرد من بقي منهم في البلدان؟! 

كان سؤالا عصي الفهم علي حينها, فلم أعرف أثر تسلط البعث, ولا ما كانوا يخططون له من دمار, ولا إستشراف هذا الرجل لشرور صدام وحكمه.. وحتى من كان يفهم من أخوتي الأكبر, كان يخاف أن يشرح لي, خوفا من زلات اللسان في المدرسة أو الشارع. 

كبرنا وتوسعت المدارك, ووفقنا للقراءة والإطلاع على الأمور.. فصرنا نفهم معنى الوطن والوطنية, بمفاهيم حقيقية, غير ما كان يحاول صدام ونظامه أن يغسلوا به أدمغتنا, ففهمنا معنى التضحية, في سبيل الوطن, بالغالي والنفيس, وماهو هذا الغالي والنفيس. 

رغم أن الإنسان دوما يمر بتجارب, تضعه في محل إختيار بين خيارات ربما صعبة, وفهمت حينها أهمية الحكمة في الإختيار, بين المهم والأهم.. وفهمت أيضا, وبالطريقة الصعبة, أن عملية الإختيار دوما ليست سهلة, وفيها معاناة وصراع داخلي, ولا ينجح في أختبارات الخيارات الصحيحة الكل. 

تضحيات أمثال محمد باقر الحكيم وأسرته, وغيرهم من الأسر العلمية, وكل المناضلين الأبطال, لم تكن خيارات سهلة, ورغم أنها كانت في سبيل دين وطن وأمة, لكن ثمنها, كان عظيما وفادحا. 

كانت خيارات بين السلة والذلة, وقد أحسنوا الإختيار. 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
التعليقات
عبد الكريم قاسم محمد الفيلي : قطعه ارظى في عام 2013 سجلت ...
الموضوع :
فرز أكثر من سبعة آلاف قطعة أرض سكنية في بغداد لتوزيعها بين المواطنين
احمد حامد : تتعهد لهذا و لم تتعهد لقتلهم الابرياء سواء في العراق او اليمن او بورما او البحرين و ...
الموضوع :
الأمم المتحدة تدين نسف الحدباء وتتعهد بمحاكمة مفجري الآثار كمجرمي حرب
ناصر علي : السلام عليكم انقذو التعليم الجامعي في العراق من الخراب يجري في كلية الامام الكاظم (عليه السلام ) ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
ا : يجب ان يكون القانون مرن وينطر لكل حالة حسب طروفها -فلا يعقل ان يطبق على كل الناس ...
الموضوع :
النظر في قانون الاحوال المدنية وكثرة الطلاق في العراق
احمد حسن الموصلي : اذا داعش موجود في مناطق كثيره ومسيطر عليها ومنها هذا المستودع قرب نفطخانه علما ان الموصل سوف ...
الموضوع :
الحشد الشعبي يعلن تدمير أكبر خزين لمؤن ووقود "داعش" شمال شرق ديالى
فيسبوك