المقالات

عندما يخير الإنسان بين السلة والذلة.

249 2017-03-12

عندما كنت طفلا صغيرا, مقر ولادتي وسكني, في مركز مدينة النجف الأشرف القديمة, حيث مسكن كثير من العوائل الدينية, وكانت منطقتنا قريبة من مرقد الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلوات, كانت الشوارع تعج بطلبة العلوم الدينية, فربطتنا بهم صلات الصداقة والنسب أحيانا, بحكم التجاور والمعرفة الحميمية. 

تغير كل ذلك, بعد أن إغتصب البعثيون الحكم في العراق, وصارت الحوزة العلمية وطلبتها, عدوهم الأول, فأستهدفوا بيوتاتها المعروفة بالعلم, كأل الحكيم وأل الصدر وأل بحر العلوم, وأل ياسين وغيرهم كثير.. ولم يسلم منهم حتى البيوتات التي أشتهرت بتعاطي الشعر والأدب فقط. 

بحكم عمري الفتي, لم أكن أستوعب الصورة الكاملة للوضع, لكني كنت ألتقط بعض المفاهيم, وأختزنها في ذاكرتي كأي طفل, وأحتفظ بتساؤلاتي في أعماقي, لما عشناه من رعب في تلك الفترة, حيث نشاهد القتل والتنكيل, والإعتقال, لعوائل بأكملها, لا لذنب سوى أنها عوائل علمائية؟! 

بحكم قرب أل الحكيم, من منطقتنا, ووجود تواصل وعلاقة, كنت وأنا صغير, أسمع عن ما جرى عليهم من تنكيل, وإعتقال لأغلب رجال الأسرة, بل ولبعض أولادهم, ممن كنت ألعب معهم.. ولم أفهم السبب حينها, فهؤلاء صبية, كيف يمكن أن يكونوا معارضين للدولة؟! وما هو تأمرهم؟ وكيف قبِل محمد باقر الحكيم, وكما سمعت حينها أنه "معارض" وهو وصف لم أفهم معناه حينها.. لم أفهم كيف قبل أن يعدم أهله, ويشرد من بقي منهم في البلدان؟! 

كان سؤالا عصي الفهم علي حينها, فلم أعرف أثر تسلط البعث, ولا ما كانوا يخططون له من دمار, ولا إستشراف هذا الرجل لشرور صدام وحكمه.. وحتى من كان يفهم من أخوتي الأكبر, كان يخاف أن يشرح لي, خوفا من زلات اللسان في المدرسة أو الشارع. 

كبرنا وتوسعت المدارك, ووفقنا للقراءة والإطلاع على الأمور.. فصرنا نفهم معنى الوطن والوطنية, بمفاهيم حقيقية, غير ما كان يحاول صدام ونظامه أن يغسلوا به أدمغتنا, ففهمنا معنى التضحية, في سبيل الوطن, بالغالي والنفيس, وماهو هذا الغالي والنفيس. 

رغم أن الإنسان دوما يمر بتجارب, تضعه في محل إختيار بين خيارات ربما صعبة, وفهمت حينها أهمية الحكمة في الإختيار, بين المهم والأهم.. وفهمت أيضا, وبالطريقة الصعبة, أن عملية الإختيار دوما ليست سهلة, وفيها معاناة وصراع داخلي, ولا ينجح في أختبارات الخيارات الصحيحة الكل. 

تضحيات أمثال محمد باقر الحكيم وأسرته, وغيرهم من الأسر العلمية, وكل المناضلين الأبطال, لم تكن خيارات سهلة, ورغم أنها كانت في سبيل دين وطن وأمة, لكن ثمنها, كان عظيما وفادحا. 

كانت خيارات بين السلة والذلة, وقد أحسنوا الإختيار. 

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
التعليقات
ابوياسر : سلام علیکم .ماهی الشروط التقدیم علی سلفه ال100 او اکثر لشراء بیت . ...
الموضوع :
مصرف الرشيد: 200 مليون دينار سلفة لشراء سكن عبر النافذة الاسلامية !!! والمستفادون منه حماية رافع العيساوي وموظفوا المالية
احمد حسن الموصلي : الم يتم مسح المنطقة من قبل طيران الجيش المصري يوميا على الاقل لمعرفة ان كان هناك ارهابيين ...
الموضوع :
مصر.. تفاصيل جديدة عن هجوم سانت كاترين
احمد حسن الموصلي : مع الاسف ان تنحدر الخطوط العراقية لهذا المستوى ان تؤخر موعد اقلاع طائرة لمدة ساعتين ونصف بسبب ...
الموضوع :
نائبة عن التغيير تطالب بمحاسبة مسؤولي الطيران المدني لاستجابتهم لرغبات نائبة أخرت تحليق طائرة
احمد حسن الموصلي : كم معاون له هذا القندره المجرم ؟؟؟ اتمنى ان اسمع يوما القاء القبض عليه ومحاكمته واعدامه او ...
الموضوع :
مقتل المساعد الاول للارهابي ابو بكر البغدادي في أيمن الموصل
احمد حسن الموصلي : الى جهنم وبئس الف مصير لهؤلاء الجرذان وحسنا عمل يقتلهم والتخلص منهم بدلا من الهاء الجيش العراقي ...
الموضوع :
"داعش"الارهابي يقتل عناصره المصابين بـ"الكنكري" في الموصل
علي جابر نعيمه : انا الطالب علي جابر نعيمه من السماوة موظف في مجاري السماوة وطلعت ادرس في امريكا هندسة على ...
الموضوع :
تدشين الموقع الالكتروني الرسمي لرئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي
فيسبوك