أكد موظفون سابقون في المحكمة الجنائية العليا، أن أحد أهم أسباب تظاهرهم الاثنين الماضي، هو أن رئيس الوزراء نوري المالكي وافق على مطالبهم منذ 8 شهور لكن جهات في مكتبه لم تنفذ أوامره، فيما بدا مجلس القضاء الأعلى غير مقتنع بضرورة توفير الحماية للموظفين، حين ذكر أن كل الجهاز العدلي والقضائي العراقي معرض للخطر، طالبا من الموظفين الالتحاق بوظائفهم الجديدة.
ويعزو أحد متظاهري المحكمة الجنائية، أسباب خروج عدد من موظفيها في تظاهرة الاثنين الماضي، في المنطقة الخضراء، إلى "شعور الموظفين بالظلم والحيف نتيجة التخلي عنا من قبل رئاسة المحكمة الجنائية العليا، وتسليم ملفاتنا الى مجلس القضاء الأعلى، وإجبارنا على العمل في مؤسسات لا توفر لنا أي غطاء أمني مناسب، بعد سنوات من العمل في مؤسسة هدرت دماءنا بسبب انتماءنا لها".
وأضاف الموظف الذي طلب من "العالم" عدم الكشف عن اسمه "ما أثار حفيضتنا هو وصول لجان من مجلس القضاء الأعلى الى مقر المحكمة، وقد طالبتنا بتسليم الدائرة بالكامل، وأجبرتنا على ملء استمارة معلومات تحضيرا لنقل ملفاتنا الى دوائر مجلس القضاء الأعلى"، مبينا "كان علينا الاختيار بين دوائر أغلبها خارج بغداد، مع تذييل الاستمارة بملاحظة أن مجلس القضاء غير ملزم بقبول ما يملأ من قبلنا في هذه الاستمارة، وان عمليات توزيع الموظفين ستجري وفق المصلحة العامة".
وأكد الموظف أن هذه الإجراءات تعني أننا "سنكون معرضين للقتل نتيجة عملنا السابق، فأغلب موظفينا تعرضوا ولا يزالون لعشرات التهديدات من فلول النظام السابق، وإخراجنا من المنطقة الخضراء سيسهل مهمة اغتيالنا والقصاص منا".
وتابع "منذ قرار حل المحكمة الجنائية العليا، لم نلتق أي مسؤول، ولم يكن أمامنا سوى التظاهر، ولاسيما أننا حصلنا على موافقة دولة رئيس الوزراء نوري المالكي، على نقلنا إلى مؤسسات أمنية داخل المنطقة الخضراء، أو مؤسسات مدنية أخرى معدل رواتبها أعلى من باقي دوائر الدولة، وقد وافق المالكي أيضا على تثبيت الموظفين الذين كانوا يعملون وفق نظام العقود، على الملاك الدائم، وعلى منحنا قطعة الأرض التي سبق أن خصصت لموظفي المحكمة".
واستدرك الموظف بالقول "لكن أحدا لم يعترف بهامش دولة الرئيس، ولم ينفذ رغم مرور 8 شهور على موافقته على ما ورد في طلبنا، ونحن نشعر أن هناك في مكتب المالكي، من يقف حجر عثرة أمام تطبيق أوامره، ولا نعلم لماذا، وهناك مؤامرة كبيرة حيكت على دائرتنا، لذا كانت تظاهرتنا تؤكد على ضرورة تفعيل هامش رئيس الوزراء".
وحصلت "العالم" على كتاب مرفوع من موظفي المحكمة، يعرضون فيه طلباتهم، أمام رئيس الوزراء، وقد همش عليه المالكي بالقول "تثمينا لدورهم ومساهمتهم في أعمال محكمة المجرمين من البعثيين، موافق على طلباتهم"، وذلك بتاريخ 4/ 6/ 2011.
وتشكلت المحكمة الجنائية العراقية المختصة، عقب غزو العراق في 10 تشرين الأول 2003 بموجب القانون رقم 1 الصادر من قبل مجلس الحكم في العراق، وبموجب الأمر 48 الصادر من المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر.
وتأسست المحكمة استنادا على أحد بنود قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية في العراق، والذي كان بمثابة دستور مؤقت للعراق، واعتبرت المحكمة نفسها مختصة في "جرائم الأبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب ضد جمهورية إيران الإسلامية أو دولة الكويت، وتشمل كذلك الجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي؛ بعربه وكرده وتركمانه وآشورييه وباقي القوميات وشيعته وسنته سواء ارتكبت في نزاعات مسلحة أو غير ذلك"، وكانت قراراتها تطبق على "الجرائم التي ارتكبها عراقيون أو مقيمون في العراق ضمن الجمهورية العراقية أو خارجها، خلال الفترة الممتدة بين تاريخي 17/ 7/ 1968 ولغاية 1/ 5/ 2003".
وقد بقي قانون المحكمة نافذ المفعول، حتى صدور القانون رقم 10 لسنة 2005 الذي أقرته الجمعية الوطنية، استنادا إلى أحكام المادة 33 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والمصادق عليه من قبل مجلس الرئاسة، ليشكل محكمة جديدة باسم المحكمة الجنائية العراقية العليا، وأشارت المادة 38 من القانون الأخير إلى أن جميع القرارات وأوامر الأجراءات التي صدرت في ظل القانون السابق، صحيحة وموافقة للقانون.
وفي 24 تشرين الثاني 2011 أصدر البرلمان العراقي قانون تعديل قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا، جاء في مادته الأولى "ترتبط المحكمة الجنائية العراقية العليا بمجلس القضاء الأعلى، وتحل عبارة مجلس القضاء الأعلى محل مجلس الوزراء أينما وردت في القانون"، فيما نصت مادته الخامسة على تولي "مجلس القضاء الأعلى، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء، توزيع موظفي المحكمة على مؤسسات الدولة، حسب الاختصاص والحاجة". أما المادة السادسة فقالت "يعد الموظفون المرتبطون بعقود عمل مع المحكمة، معينين على الملاك الدائم بحكم القانون، وعلى وزارة المالية استحداث الدرجات الوظيفية بذلك".
وتعليقا على المتظاهرين ومطالبهم، يقول الناطق باسم مجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار البيرقدار، إن مجلسه "تسلم من إدارة المحكمة الجنائية العليا ملفات موظفيها، ومن المقرر توزيعهم على دوائر المجلس، ولكن حتى اللحظة لم يتم توزيعهم ولم تصدر أوامر ادارية بهذا الخصوص، وهذا الموضوع إداري بحت".
وبشأن إمكانية تعرضهم إلى مخاطر الاغتيال أو الانتقام، بين البيرقدار، في حديثه مع "العالم" أمس الثلاثاء، أن "تحديد أماكن عمل موظفي المحكمة الجديدة ضمن دور العدالة التابعة لمجلس القضاء الأعلى أمر طبيعي، وليس بإمكاننا أن نقدم لهم المزيد، فأقرانهم جميعا يعملون في خطر مستمر ضمن هذه المؤسسات، وأنا كمتحدث باسم مجلس القضاء، أظهر في الفضائيات وأعمل خارج المنطقة الخضراء، وأتجول في الدوائر التابعة لنا، ثم أن كل القضاة في كل أنحاء البلد معرضون للخطر، وموظفو المحكمة الجنائية ليسوا استثناء، ومجلس القضاء الأعلى لا يدير مؤسسات عدلية داخل المنطقة الخضراء".
وعن المشكلات التي ترافق تعييناتهم، أشار البيرقدار إلى أن "تعيين موظفي المحكمة فقرة ضمن قانون، وليس للمجلس الطعن في القانون، ما يعني أن تعيينهم أمر واجب التنفيذ، وعلى الموظفين القبول بهذا التعيين، لأن عليهم ممارسة مهامهم الوظيفية، في أي مكان يطلب منهم تأدية الخدمة فيه، واذا ما رفضوا استئناف عملهم في وظائفهم الجديدة، فسيختلف الموضوع حينها".
وعن إمكانية التوصل إلى تسوية ما، يخلص البيرقدار إلى القول "لا يمكنني استباق الأحداث، ومن المؤكد أن القائمين على هذه القضية سيراعون الظروف التي يمر بها موظفو المحكمة الجنائية العليا، ولكن لم يحصل اي تطور على أرض الواقع، سوى أن جهازنا الاداري في مجلس القضاء الاعلى هو في طور استلام ملفات موظفي المحكمة، وأعتقد ان هذا الملف سيعرض على رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي مدحت المحمود، إن تطلب الأمر ذلك".
https://telegram.me/buratha

