حذر خبير في الأنظمة الدستورية من حصول "مشكلة" في استمرار أسامة النجيفي في منصب رئيس البرلمان، إذا اختارت العراقية تشكيل معارضة قوية داخل مجلس النواب، إذ ربما ترغب الموالاة في أن يكون الرئيس منها، فيما أكد خبير قانوني في البرلمان أن كتلة النجيفي إذا اختارت المعارضة، فلا مانع من استمراره في أداء مهامه، لأن الدستور لم ينص على الخلفية السياسية لرئيس البرلمان، كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب، يمكن أن يكون ضمانة لعدم تأثر رئيسه، بما تريده كتلته السياسية.
وفي رد لسؤال طرحته "العالم" أمس الاثنين، قال خبير عراقي في الأنظمة الدستورية، إن "مسألة رئاسة شخصية معارضة لمجلس النواب في الدول، قضية تخضع لطبيعة النظام الحاكم فيها، فالأمر قد يختلف بين الأنظمة الرئاسية كالولايات المتحدة، والأنظمة البرلمانية كالنظام العراقي".
ويضيف الخبير الذي طلب عدم الكشف عن هويته "في حدود معرفتي، لم أسمع أن شخصية معارضة رأست مجلس النواب في بلد ذي نظام برلماني أغلبي، لأن الأنظمة البرلمانية التي تتبع نظام (ويستكونسن) أو النظام الأغلبي، تقوم على أساس الموالاة والمعارضة، فالموالاة هي الكتلة الأكبر في البرلمان، وهي التي تشكل الحكومة، فيما تكتفي المعارضة بمراقبة الأداء التنفيذي والتشريعي للموالاة، ولها حق الاعتراض على مشاريع القوانين، وأحيانا اقتراحها، كما أن لها حقا مكفولا بطلب استجواب أي وزير في كابينة الحكومة لتقييم أدائه، ويمكنها أن تقترح سحب الثقة منه، وتقدم المبررات لذلك، ويتم التصويت على هذا المقترح، كما أن لها حقا في تشكيل حكومة ظل".
ويعرب الخبير عن اعتقاده بأن "انتقال العراقية من حكومة المشاركة إلى المعارضة، ربما يضعنا دستوريا وقانونيا أمام مفارقة أو مشكلة، مفادها أن الدستور العراقي وبالتالي النظام الداخلي للبرلمان، أقيما على أساس النموذج التوافقي لا النموذج الأغلبي، أي أن كل المناصب توزع على أساس التوافق، لا على أساس أن الفائز يحصل على كل شيء"، لافتا إلى أن "الدول التي شهدت انتقالا من الديمقراطية التوافقية إلى الديمقراطية الأغلبية أو التمثيلية قليلة جدا، والأهم أنها كانت واعية لهذه النقلة، وقد وضعت خططا واستيراتيجيات تكفل حل المشكلات القانونية التي ستواجهها بسبب هذه النقلة، وهذا غير حاصل في العراق، كما أعتقد".
ويوضح الخبير أن "العراقية إذا أصرت على الانتقال إلى المعارضة، فإننا لن نجد في الدستور العراقي حلولا للكثير من المشكلات التي ستواجهنا، وسيكتفي خبراء الفقه الدستوري بالقول إن الدستور العراقي سكت عن هذه القضية، وهنا يمكن أن يصدر أي قرار ويتم قبوله ما دام لا يتعارض مع الدستور، أو أن نلجأ إلى خيار آخر هو الركون إلى الأعراف الدستورية والبرلمانية الأجنبية التي تشبه التجربة العراقية".
وبشأن احتمال أن لا تعترض الكتل السياسية على استمرار اسامة النجيفي في منصبه رئيسا للبرلمان، بداعي أن الدستور لم ينص على وجوب أن يكون الرئيس من الكتلة الأكبر، يجيب الخبير أن "هذا متوقع جدا، والدستور يسكت بالفعل عن هذا الاحتمال، لأن فلسفة المشرع كانت مبنية على النموذج التوافقي وليس الأغلبي، كما أسلفنا، وهنا يمكن أن نلجأ إلى توافق الكتل على استمرار النجيفي في أداء عمله، لكننا لن نحل المفارقة الدستورية التي تحدثت عنها".
ويذهب إلى أن "التجربة الحالية في لبنان يمكن أن تفيد كمثال، إذ أن الموالاة اليوم من كل الألوان الإثنية، وكذلك هي الحال بالنسبة للمعارضة، وأعتقد أن لبنان الآن مهيأ تماما للانتقال إلى النموذج الأغلبي، لكن على الرغم من ذلك، ما زالت الدولة تعمل بالدستور التوافقي".
ويبين المصدر أن "رئيس الحكومة اللبنانية، الذي جرى العرف على أن يكون من الطائفة السنية، هو اليوم من الموالاة وليس من المعارضة، ولو أردنا أن نحل المفارقة التي تحدثنا عنها، لوجب أن يكون رئيس البرلمان العراقي من الطائفة السنية، لكنه يأتي من الموالاة أو الكتلة الأكبر، لا من المعارضة وهي هنا العراقية، على افتراض أنها ماضية في قرارها"، مذكّرا بأن "رئيس الوزراء نوري المالكي، اختار أكثر من مرة، وزراء من المكون السني، لشغل وزارات جرى عرفا أنها لهم، سواء بالأصالة أو بالوكالة، في خطوة لحل الإشكال نفسه، ولو ظاهريا".
لكن الخبير القانوني في مجلس النواب الدكتور صباح الباوي، يرى أن "نظام الحكم مفردة تستخدم لتوصيف شكل الحكم في الدولة، وشكل الحكم سيبقى برلمانيا، والدولة ستبقى اتحادية، مع التنبيه إلى وجود معادلات سياسية تضبط إيقاع هذا النظام، وتخضع للمتغيرات والظروف التي تستجد"، مبينا أن "العراقية إذا قررت تشكيل كتلة معارضة، فذلك لا يعني أن النظام البرلماني قد تغير، بل إن ما تغير هو المعادلة السياسية، وموازين القوى التي تحكمها".
وأضاف الباوي، في تصريحات لـ "العالم" أمس، أن "هذه المسائل تحكمها السياسة، فيما يقول القانون إن النظام في العراق برلماني، سواء كانت الكتل مؤتلفة لتشكل حكومة شراكة، أو مختلفة على طريقة الموالاة والمعارضة، وسواء كان رئيس البرلمان من الموالاة أو من المعارضة، فالأمر سيان، لأن المعارضة هنا لا تعني معارضة البرلمان لنفسه، بل معارضة كتلة في البرلمان للحكومة، لذا ليس هناك ما يمنع الكتلة المعارضة من رئاسة البرلمان، لا في الدستور ولا في القانون، ولا في التقاليد البرلمانية في العالم أجمع".
وبشأن احتمالات اعتراض الموالاة على أن يأتي رئيس البرلمان من المعارضة، بداعي إمكانية عرقلة أداء المجلس، يؤكد الباوي أن "رئاسة البرلمان محكومة بالنظام الداخلي لمجلس النواب، وإلى حد بالدستور أيضا، فالهيئة التي ترأس البرلمان مهمتها إدارة الجلسات وتمشية الأمور الإدارية المتعلقة بالمجلس، ولا تبتعد عن ممارستها قضايا إدارية صرفة، وفي حال رغب رئيس البرلمان أن يبدي رأيه في مسألة ما، فعليه أن يترك مقعده كرئيس للجلسات، ويتوجه إلى منصة النواب ليدلي بدلوه كما يفعلون، لكنه لن يستطيع أن يخالف ما ورد في النظام الداخلي، إذا أراد التعاطي مع مسائل معينة، مستغلا كونه رئيسا للبرلمان".
ويتابع الخبير القانوني أن "هناك فرقا كبيرا بين المعطيات السياسية والمعطيات القانونية في هذه المسألة، فوفقا للمعطيات القانونية لا يوجد نص دستوري أو بند قانوني يمنع أن يأتي رئيس البرلمان من كتلة معارضة، لكن الأمر مختلف سياسيا، ومن المفترض أن لا يؤثر كونه من المعارضة على أدائه كرئيس لبرلمان الشعب، وأن يثبت أنه مقيد بالدستور والنظام الداخلي، ولو حاول جدلا أن يؤثر على سير الجلسة، نزولا عند رغبة كتلته السياسية، فسوف يجابه بنقاط النظام التي تستخدم أثناء النقاش عادة، ووفقا للنظام الداخلي".
ويخلص الباوي إلى أن "التجارب البرلمانية والسياسية في عموم دول العالم، لا تمثل قوالب تلتزم بها نظم سياسية وبرلمانية في دول أخرى، والنظام البرلماني مفردة واسعة جدا، وقد تعني في المشهد العراقي الأغلبية السياسية، مثلما قد تعني حكومة الشراكة الوطنية، لذا ليست هناك قوالب جاهزة، ولكل بلد خصوصيته وظروفه".
https://telegram.me/buratha

