قبيل سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية، أجرت صحيفة (وول ستريت جورنال) لقاء مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، نشرته أمس الاثنين، تناول العلاقات المستقبلية مع واشنطن، والملفات التركية والإيرانية والسورية، وعلاقتها بأمن العراق واستقراره، بعد إكمال انسحاب القوات الأميركية منه.
ونقلت الصحيفة عن المالكي تعبيره عن قلقه المتزايد من الدور التركي الذي وصفه بـ "المتجرئ" في المنطقة، فيما أكد أنه وحكومته وشعبه يؤيدون المطالب العادلة للشعب السوري، لكنه يخشى من تدخل عسكري في سوريا، لذا يجد أن الموقف العراقي الحيادي مفيد لمصالح البلاد.
أما على صعيد الملف الإيراني، فأعرب عن قناعته بأن التوتر الذي كانت تسببه طهران بالتدخل المباشر أو غير المباشر عبر الكتل والأحزاب السياسية، صائر إلى الانتهاء، ولاسيما أن الذرائع الإيرانية كانت تحوم حول حماية أمنها القومي، الأمر الذي سينتفي بالانسحاب الأميركي، وبإغلاق ملف "منظمة خلق" بمساعدة الأمم المتحدة.وقالت الصحيفة إن لقاء المالكي والرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، من شأنه أن يطمئن الغرب على استقلال العراق واستقراره، مع اتجاه الولايات المتحدة الى انهاء 9 سنوات من الحرب، مشيرة إلى أن هناك 100 ألف عراقي على الأقل و4 آلاف و474 عسكري أميركي قتلوا في الصراع، طبقا لوثائق سرية مسربة من البنتاغون والجيش الأميركي في العام الماضي، فيما أنفقت الولايات المتحدة نحو تريليون دولار في الحرب.
وتلفت وول ستريت جورنا الى أن الانسحاب النهائي المقرر في الشهر الحالي، يفتتح فصلا جديدا في العراق، محفوفا بتحديات جديدة، وسط انتفاضات شعبية صاخبة تجتاح المنطقة العربية.
وتشير الصحيفة الاميركية إلى أن المالكي، الذي يبقى شخصية جدلية داخل العراق والمنطقة على حد سواء، كان متحيرا بين النفوذ الأميركي والنفوذ الإيراني، منذ توليه منصبه في العام 2008 في ذروة الحرب الطائفية. فبينما قال إنه يريد للعراق علاقة إستراتيجية قوية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وضع لنفسه حدودا في مدى هذه العلاقات، رغبة منه في أن لايستعدي بعض الشركاء المدعومين من إيران، في ائتلافه الحكومي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول عراقي كبير، أن المالكي ما كان ليتمكن من تأمين ولاية ثانية في العام الماضي، من دون ان يقدم "تعهدا مهما واحدا" لإيران وحلفائها العراقيين، و"هذا التعهد هو إخراج القوات الأميركية".
فيما نسبت لرئيس الوزراء العراقي القول "نتعامل مع أميركا ديبلوماسيا الآن، لديهم ما لدينا ويدينون بما ندين به... يبقون على ألف منهم في العراق، نبقي على ألف منا في أميركا؛ يفتحون 10 قنصليات، نفتح 10 مثلها".
وفي اللقاء مع الصحيفة الأميركية واسعة الانتشار، أكد المالكي أنه صار أكثر قلقا الآن من دور "متجرئ" تؤديه تركيا في العراق والمنطقة، في إشارة منه إلى أن للعراق مخاوف إقليمية ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار، حتى تأخذ بلاده وحكومته مخاوف أميركا وحلفائها في المنطقة، باعتبارها.
وفي الشأن الإيراني، وعد المالكي متحديا، بأنه سيواجه بحزم أي تدخل إيراني بعد رحيل القوات الأميركية، معربا عن قناعته بأن أفضل سبيل لخدمة مصالح العراق، تكمن في انشغال البلدين كل بمصلحته الخاصة بعيدا عن الآخر.
وتعتقد الصحيفة أنه في المشهد السياسي العراقي العسير، الذي تشكل بعد الغزو الذي قادته اميركا العام 2003، على أساس الجمع بين الانتخابات ونظام المحاصصة الاثنية والطائفية، ينظر إلى المالكي اليوم، من جانب منافسيه وحلفائه على حد سواء، بوصفه شخصا تمكن بحذاقة من إدارة حرب شد الحبال بين إيران وأميركا على الساحة العراقية، على مدى السنوات الماضية، لتدعيم وضعه ومكانته السياسية، والسيطرة على أذرع السلطة وأهمها القوات الأمنية.
وقال المالكي لوول ستريت جورنال "إذا كانت حجة إيران هي أن وجود قوات عسكرية على الأراضي العراقية يشكل تهديدا للأمن الوطني الإيراني، فهذا الخطر انتهى الآن"، مضيفا "مع هذه الحقيقة، ينتهي كل تفكير وحسابات واحتمالات للتدخل في الشؤون العراقية، تحت أي لافتة أخرى".
كما تعهد المالكي بالقيام بالمزيد من الضغط على إيران، لإنهاء تدخلها في العراق، ما أن تتم إزالة جماعة خلق من معسكر أشرف على الأراضي العراقية، بمساعدة الأمم المتحدة نهاية العام الحالي، مبينا أن "حجج إيران للتدخل في الشؤون العراقية ستنتهي حينها"، متوعدا بمواجهة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران ثانية، إذا اقتضت الضرورة، كما فعل في عملية صولة الفرسان العام 2008، ولاسيما أن قوات الأمن العراقية "قادرة على ضرب أي طرف أو ميليشيا تحمل السلاح".
وتستدرك الصحيفة بالقول إن تحذير المالكي لإيران من التدخل في العراق، جاء من باب تهدئة المخاوف، التي يرددها مسؤولون كبار في الولايات المتحدة، وكذلك حلفاء أميركا من عرب الخليج، من أن العراق سيسقط في حضن إيران، مع خروج آخر الجنود الاميركيين الشهر الحالي.
وأصبحت تلك المخاوف أكثر وضوحا مع الصراع الدائر في سوريا المجاورة، إذ كان العراق واقعا تحت ضغوط متصاعدة أمام اتخاذ موقف من كلا الجانبين، فنظام بشار الأسد الحليف لإيران، استعمل القوة لمهاجمة انتفاضة شعبية معارضة، تدعمها كثير من الدول العربية وتركيا والغرب.
وتابعت الصحيفة الاميركية بالقول ان المالكي يرى أن أفضل سبيل لخدمة مصالح العراق، هو تجنب التدخل في الشأن السوري، عارضا خدمات العراق للوساطة، ومعارضا القيام بأي تدخل عسكري فيها، كما شدد على أن العراق لن يدعم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الجامعة العربية على دمشق، خشية تكرار التجربة العراقية إبان الحصار الدولي الذي تلا غزو الكويت، لكن مع مضاعفات أكبر يمكن أن تشهدها المنطقة.وفي رده على بعض الانتقادات التي وجدت في موقفه دعما لنظام الأسد، أعلن المالكي أنه يساند مطالب الشعب السوري من أجل الديمقراطية والحرية والانتخابات، بالقول "إننا معهم تماما".
وأخبر وول ستريت جورنال أنه أرسل مبعوثا شخصيا للأسد الشهر الماضي، لحثه على البدء "بإصلاحات عميقة وحقيقية"، و"حوار وطني حقيقي على الأراضي السورية"، ورد الرئيس السوري بأنه على استعداد لفعل ذلك.
واستذكر رئيس الوزراء العراقي محنة العراق المشابهة في عهد حكم صدام، إذ مضى إلى القول "كنا مع الرأي القائل إن الحرب التي شنت على العراق، وهذه الكوارث وتبعاتها، ما كانت لتحدث لو سار صدام بطريق الإصلاحات"، لكن الصحيفة علقت بالقول إن هذا الكلام قد ينطوي على تحريف تاريخي، نظرا لكثافة العمل الذي قامت به المعارضة العراقية في المنفى، ومن بينها حزب المالكي في ذلك الوقت، لحث الولايات المتحدة وقوى أخرى، على الإطاحة بنظام صدام بالقوة
https://telegram.me/buratha

