بعد سنوات من الانفلات المروري الذي شهده العراق بعد تحول العام 2003، عاد برنامج تحرير المخالفات المرورية ليفرض نفسه بقوة في الشارع العراقي، الذي انقسم بين مؤيد لإنهاء الظواهر السلبية التي رافقت انعدام المحاسبة، ومعارض متخوف من استغلال الأمر ليكون أداة ابتزاز تحت مظلة القانون.
مسؤول إحدى دوريات المرور المكلفة بمراقبة أحد أهم التقاطعات في منطقة الرصافة وسط العاصمة، وهو ضابط برتبة رائد، قال لـ "العالم" أمس الاثنين "تسلمت تعليمات جديدة تؤكد على التشدد في المحاسبة، ويجب على كل مسؤول دورية تحرير 10 مخالفات في ساعات العمل الصباحي في أقل تقدير، وبخلافه سيتم معاقبته بالعمل ساعات إضافية بعد الظهر".
وأضاف رائد المرور الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، بل واسم التقاطع الذي يعمل به خوفا من المحاسبة، إنه "يضطر لتحرير المخالفات والغرامات التي تتراوح ما بين 15 الف دينار و30 الفا، مع احتجاز المركبة أحيانا، تنفيذا لتلك التعليمات"، موضحا أن "السائقين اعتادوا عدم المحاسبة، ولهذا تراهم متهاونين في إجراءات السلامة التي يبحث عنها شرطي المرور، مثل عدم وضع حزام الأمان واسطوانة إطفاء الحرائق والمثلث المروري، واستخدام الهاتف النقال أثناء القيادة، والسياقة تحت تأثير مسكر، وعدم الالتزام بالإشارات المرورية وخط السير وقواعد الاجتياز، وغيرها من المخالفات".
وبشأن استبدال شرطة المرور بكاميرات مراقبة حساسة ومتطورة ترصد المخالفات، بيّن مسؤول الدورية أن "استحداث هذه الكاميرات لا يعني الاستغناء عن شرطي المرور في الشارع، فهناك ضرورة لوجوده للسيطرة على التقطاعات غير المزودة بالإشارات، وأثناء وقوع حوادث مرورية، ودوره في منع حصول حوادث في حال تبين وجود سائق مخمور أو صغير في العمر خلف المقود، وتخطيط الحوادث وبيان المقصر؛ كل هذه المهام لا تستطيع الكاميرات إنجازها".
وبشأن أعداد الحوادث المرورية وأنواعها وضحاياه، اطلعت "العالم" على بيانات مديرية المرور العامة، التي بينت أن أكثر من 7 آلاف حادث مروري شهدتها بغداد ومختلف المحافظات خلال العام الماضي، تمثلت في الدهس والاصطدام وانقلاب المركبات، أما عدد الذين توفوا نتيجة حوادث المرور فهم أكثر من 21 ألف شخص، فيما كشفت إحصائية أعدها الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط، عن وقوع 7 آلاف و452 حادثا مروريا خلال عام واحد، منها ألف و955 حادثا مميتا، أي ما نسبته 26 في المئة، بينما بلغ عدد الحوادث غير المميتة 5 آلاف و497 حادثا، أي ما نسبته 74 في المئة، في جميع المحافظات.
من جهته، أعرب السائق عدنان محيي، عن أسفه "لوجود بعض عناصر شرطة المرور، الذين يستغلون القانون لتحقيق مكاسب شخصية، إذ يهددون السائق بتحرير مخالفة بحقه إذا لم يمنحهم ما يشبه الأتاوة"، مضيفا أن "السائق يفضل دفع 10 آلاف دينار، بدل تحرير مخالفة يدفع بعدها مبلغا كبيرا يصل إلى 30 الف دينار، فضلا عن سلسلة من المراجعات التي تنتظره كي يسدد تلك المخالفة".
وتابع محيي في حديثه لـ "العالم" أمس "لا نرفض تطبيق القانون، بل نطالب بالانصاف في تطبيقه، إذ لم أر مرة واحدة شرطي مرور، يوقف سيارة دفع رباعي مضللة، بهدف تغريم سائقها، كونه سار عكس السير أو تجاوز السرعة أو لم يربط حزام الأمان، خوفا من أنها تعود لأحد المسؤولين".
ويعلق الخبير القانوني علاء الزبيدي على كلام السائق محيي، بالقول إن "المساواة في تطبيق القانون على الجميع، هو أحد مبادئ دولة القانون، من هنا نجد كثيرا من الناس يتحدثون عن أن رئيس الدولة الفلانية توقف عند إشارة المرور احتراما للقانون، الأمر الذي لا نجده في العراق"، مفسرا ذلك بأن "المسؤول، الذي يفترض به أن يكون قدوة في بناء الدولة، هو نفسه لا يحترم القانون، فكيف نقنع المواطن البسيط بالالتزام بهذا القانون؟".
وطالب الزبيدي في حديثه لـ "العالم" أمس "الحكومة بالحث على العدالة في تطبيق القانون، مع التشديد في تطبيقه، للوصول إلى مجتمع يحترم القانون ولا يخشاه".
لكن عميد المرور عبد الجبار حمد، أكد أن "إلزام شرطة المرور بتحرير 10 مخالفات يوميا، كلام عار عن الصحة، وليست هناك أي تعليمات صدرت بهذا الشأن، لكن بعض العناصر تتذرع بهذه الحجة، ولاسيما أن شرطي المرور أعطي صلاحية القاضي في الشارع، والقاضي مخول بتحرير المخالفة".
وأوضح حمد في تصريحات لـ "العالم" أمس، أن "مهمة رجل المرور هي رصد المخالفات، لكن وفق القانون، لا فرضها على كل من يمر من أمامه، ولا يوجد جهة تدعم منتسبين يدعون تسلمهم تعليمات مخالفة للقانون أصلا".
وتابع عميد المرور "أنا نفسي أجريت دراسة أخذت فيها آراء كثير من المواطنين، أجمعوا فيها على أهمية تطبيق القوانين بالشكل الصحيح، لإنهاء المظاهر السلبية، ولم أجد شخصا أعرب عن رغبته في عدم تطبيق القانون، بل كان الجميع مع معاقبة المخالفين، لكنهم ركزوا على أهمية القضاء على ظاهرة تحرير المخالفات من دون وجه حق".
وبشأن واردات مديرية المرور من الغرامات، أكد العميد حمد أن "الغرامات تذهب إلى الموازنة العامة للدولة، وليس هناك نصيب منها لشرطي المرور، ويخطئ من يتصور أن تحرير المخالفة يمكن أن تؤدي إلى زيادة راتب رجل المرور".وطالب العميد "بإعادة العمل بنظام التمويل الذاتي للمرور، فيما يخص الغرامات، الأمر الذي كان معمولا به أثناء عقد الثمانينيات، إذ كان يخصص جزء من المخالفات كمخصصات تضاف إلى راتب رجل المرور، فيما ينفق الجزء الباقي على تطوير عمل المرور، من حيث التجهيز وبناء مديريات جديدة، وتأثيث الشوارع بإشارات المرور، واستخدام آليات حديثة، مثل كاميرات المراقبة التي ترصد ظواهر تجاوز السرعة والقيادة عكس السير".
https://telegram.me/buratha

