رأى خبير في شؤون الشرق الاوسط ان العراق يدعم الامن في بيئة خطرة، والمح الى ان وجود عراق قوي عسكريا امر مهم لضبط امنه الداخلي، وحماية حدوده وموانئه النفطية، لافتا الى ان العراق يواجه شروطا متوترة مع جيرانه.
وفي مقال، نشرته صحيفة "غولف نيوز" الاماراتية الناطقة بالانكليزية، قال الكاتب البريطاني باتريك سيل ان "العديد يشعرون انه قد تكون هناك حاجة لوجود القوات الاميركية من اجل استقرار وضع مرتبك كثيرا ـ سواء كان ذلك الوضع داخل العراق ام في منطقة جواره".
ويشير سيل الى ان "العراق كان في السابق بلدا قويا وفخورا بقوميته العربية. وبداع من موارده النفطية الكبيرة، ونهريه الكبيرين، وطبقته الوسطى المتعلمة، كان العراق في كثير من النواحي قصة نجاح عربية ـ هذا قبل ان تأخذ الامور فيه منحى سيئا. اذ ان السنوات الثلاثين الماضية كانت رهيبة فيه".
ويرى انه "في خضم شفائه البطيء والمؤلم من عقود الدمار هذه، فان مأزق العراق اليوم يتمثل في انه ربما لا يزال في حاجة الى المساعدة من جانب الولايات المتحدة، القوة التي دمرته اكثر من غيرها. وهذه هي خلفية النقاشات الدائرة حاليا بين بغداد وواشنطن بشأن تمديد محتمل للوجود العسكري الاميركي في العراق الى ما بعد العام 2011 ـ التاريخ الذي نصت عليه اتفاقية وضع القوات الاميركية "صوفا" المبرمة في العام 2008 للخروج الاميركي النهائي".
وتابع سيل مستطردا "لا يزال هناك حوالي 46.000 جندي اميركي في العراق ـ وهذا العدد ادنى من عددهم قبل عامين، حيث كان 140.000 جندي. وكان الرئيس باراك اوباما تعهد باعادة القوات الى الديار ـ الا ان الاميركيين منقسمون كما العراقيين بشأن هذه المسألة. ففي الولايات المتحدة، طالما عارض الديمقراطيون الحرب، يريد الجمهوريون ان تبقى اميركا في العراق ـ للدفاع عن مصالحها ومواجهة ايران.
والرأي منقسم في العراق ايضا. فالاكراد يريدون بشدة بقاء الاميركيين كضمان لشبه الاستقلال الهش الذي يتمتعون به عن بغداد، فيما الفصائل الشيعية المتشددة، بخاصة الصدريين، ،تريد التخلص كليا من الاميركيين، والافضل ان يكون ذلك باسرع وقت ممكن. وما بين هذين القطبين، هناك عدد من الاحزاب الاكثر اعتدالا، من الشيعة والسنة، الذين لا يكنون حبا كبيرا للاميركيين، بل يريدون التحرر منهم، الا انهم يعترفون ان وجودهم ربما لايزال مطلوبا لاستقرار الوضع المرتبك ـ سواء داخل العراق ام في محيط جواره".
ويعتقد باترك سيل ان "ديمقراطية العراق الجديدة، التي هيمن عليها رئيس الوزراء نوري المالكي، تتميز بوجود عدد كبير من الاحزاب والمجموعات المنشقة، وكلها تتنافس من اجل تحقيق مصالحها. وهذا ما يولد الكثر من الكلام الساخن لكن من دون فعل كثير ـ حتى ان عراقيا بارزا "اطلع على هذا المقال" وصف المشهد السياسي العراقي على انه شبيه بمشهد الجمهورية الفرنسية الرابعة"، وهي الحكومة الفرنسية بين 1946 و1958،التي تشكلت تحت الدستور الجمهوري الرابع، وعانت من الكثير من المشاكل مثل الوزارات القصيرة الأمد مما جعل التخطيط السياسي صعبا.
ويضيف الكاتب ان "هناك الكثير جدا لاعادة اعماره في العراق. ذلك ان حرب العام 2003 اطاحت بنظام صدام الوحشي، الا ان الفظائع التي اعقبته كانت على الاقل بمستوى سوء ما كان يفعله ـ واحيانا يحتمل انه اسوأ منه".
ويرى ايضا ان الغزو "خرب بنية العراق التحتية الى الحد الذي يعاني فيه البلد، وسط حرارة الصيف الحالي وارتفاع درجات الحرارة الى ما يزيد عن 50 درجة مئوية، من انقطاع التيار الكهربائي. فمعدل تجهيز التيار الكهربائي في الجنوب ساعة في مقابل انقطاع اربع ساعات. ويجأر الناس مطالبين بخدمات افضل".
وتقول الغولف نيوز ان "المالكي قريب من ايران الا انه وطني عراقي، وليس دمية ايرانية. ففيما يفاوض بشأن تمديد الوجود العسكري الاميركي الى العام 2012، لعل ايران ترغب، على النقيض من ذلك، باجبار الولايات المتحدة كرها على الخروج من العراق".
ويقول الكاتب البريطاني ان "العراقيين يشعرون، وهم محقون الى حد ما، بأنهم يعيشون في بيئة عدائية. فسوريا الجارة في هياج ثورة شعبية عارمة، يقمعها النظام بوحشية، وهذا وضع خطر للغاية قد يندلق على العراق. كما ان العراق بشروط فقيرة جدا، بل حتى عدائية، مع المملكة السعودية، ثقل العالم العربي السني، التي استفزت وغضبت من صعود قوة شيعية في كل من العراق وايران. ويخشى السعوديون وجيرانهم الخليجيون من اتساع التأثير الشيعي في العالم العربي. ففي البحرين، مثلا، هرعت السعودية مؤخرا الى المساعدة في قمع انتفاضة المجتمع الشيعي ـ وهو مجتمع قريب تقليديا من العراق. وهذا الامر ايضا اضر بالعلاقات السعودية ـ العراقية".
ويضيف الكاتب ان "العراق يتشابك ايضا مع الكويت بشأن خطط الاخيرة ببناء ميناء كبير على جزيرة بوبيان، وهو ما يؤثر في ممر شط العرب، منفذ العراق الوحيد الى البحر. ويرسل العراق الان لجان خبراء الى الكويت لتقييم المشروع. كما اتهم بعض البرلمانيين العراقيين الكويت بسرقة النفط العراقي بالحفر المائل في الاراضي العراقية. وهذه قضايا غاية في الحساسية. فهي على وجه التحديد التي اثارت صدام حسين ودفعته الى اجتياح الكويت في العام 1990".
ويخلص الكاتب الى ان "لهذه الاسباب جميعا، يشعر العراق بانه في حاجة الى تدعيم اجهزته المسلحة، واعادة بناء قوته الجوية وبحريته، وكذلك قواته البرية، كي يكون قادرا على حماية حدوده وموانئه النفطية، فضلا عن ضبط الوضع في مدن مثل كركوك والموصل حيث لا زالت التوترات الاثنية والطائفية عالية فيها". وتختم غولف نيوز الاماراتية بالقول انه "باخذ كل هذه الاشياء بالحسبان، فإن التدخل الاميركي في العراق ـ الذي اثبت انه كارثي بالنسبة للبلدين ـ لا يبدو انه سينتهي قريبا".
https://telegram.me/buratha

