الصفحة الإسلامية

مرض القلق والعلاج القرآني/ الجزء الأول...


 

د.مسعود ناجي إدريس ||

 

يمكن القول إن من أهم المشاكل البشرية في العصر الحالي هي القلق والاكتئاب. يسمي بعض العلماء هذا عصر بعصر القلق والتوتر. يفقد الإنسان السلام العقلي ويطلبه ويبحث عنه بكل كيانه. أحيانًا يخطئ في تحديد الحالة ويسعى إلى السراب لتحقيق هذه الرغبة في ارتواء عطشه بالمياه العذبة. من وجهة نظر دينية، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يلبي هذه الحاجة حَقًّا هو الارتباط بالله.

يعلن القرآن الكريم مؤكدا أن راحة البال لا يمكن تحقيقها إلا في ظل الالتفات إلى الله [الميزان، ج 14، ص 225. ]:

أَلا بُذکر اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد/ 28. ]

وهذا ما ورد بشكل مختلف في آية أخرى:

وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذکرَيّ فَإِنَّ لَهُ مَعِیشَةً ضَنَّکا[طه/ 124]

من الواضح أن معنى المصاعب في الحياة ليس العسر والفقر المادي؛ لأن الناس قد يكونون أثرياء للغاية، ولكن على الرغم من امتلاكهم كل الإمكانيات المادية، إلا أنهم لا يشعرون براحة البال وهم يشعرون بالقلق باستمرار. والسبب في ذلك واضح جِدًّا، لأن من نسي الله في الحياة ليس لديه خيار سوى الاعتماد على الدنيا المادية والاستمتاع بها. من ناحية أخرى، فإن اكتساب المصالح المادية لكل شخص لا تجعله يشعر بالرضا؛ لأنه سيكون غير راضٍ عن المبلغ الذي حققه ويبحث عن المزيد من المكاسب والمنافع، وبهذا الطريق لا يقيد نفسه بمستوى معين، ونتيجة لذلك فهو دائمًا يشعر بالقلق والتوتر.

عوامل القلق

بعض أهم العوامل التي تسبب القلق وتزعج راحة البال هي:

1- الخوف من المستقبل

يشعر الإنسان دائمًا بالقلق على مستقبله ويخشى أن يفقد شيء يحبه أو يصاب بالسيئ الذي يخشى منه. الخوف على مستقبل الأطفال ، وتأمين نفقات المعيشة ، والفقر ، والزواج ، والوظيفة ، وفقدان المكانة الاجتماعية ، وما إلى ذلك ،كل هذه الأفكار يشغل العقل البشري دائمًا.

2- الشدائد والمصائب

إن عوامل مثل المرض والفقر والمصائب والنكبات تجعل الناس دائمًا قلقين.

3- شعور بالفراغ

الأشخاص الذين يشعرون بالفراغ ، لا يشعرون بالهدوء والسلام ويبحثون دائمًا عن ضالتهم ، ولكن بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة ، فإن فراغهم العقلي لن يتم ملؤه ، ونتيجة لذلك ، يجدون الحياة متكررة ورتيبة ، ويجدون أنفسهم فارغين و بلا هدف لذلك يعانون من القلق الشديد والوحدة واليأس والفشل.

4- عدم وجود الدعم والمساعدة

من أسباب القلق عدم وجود دعم روحي لأنه عندما ينسى الإنسان الله ، تصبح حياته المادية صعبة.[طه/ 124]

5- الخوف من الموت

الخوف من الموت عامل مهم آخر يسبب القلق لدى البشر. ولأن احتمال الوفاة ليس فقط في الشيخوخة، ولكن أيضًا في الأعمار الأخرى، خاصة أثناء الأمراض والحروب وانعدام الأمن وما إلى ذلك. لذلك يمكن أن يكون هذا القلق حالة عامة لدى الجميع.

6- الضعف وعدم المقدرة

جزء من القلق هو عدم قدرة الإنسان على التعامل مع العوامل الطبيعية، مثل الفيضانات والزلازل والأمراض وعدم القدرة على مواجهة الأعداء.

7- عبادة الدنيا

عبادة الدنيا وحب روعة الحياة المادية كانت ولا تزال من أعظم أسباب القلق  لدى البشر، لدرجة أنه في بعض الأحيان عدم الحصول على لون معين من الملابس والأحذية والقبعات أو أحد الآلاف من وسائل الحياة، يجعل الإنسان يشعر بالانزعاج لساعات أو لأيام.

8- الماضي المظلم

في بعض الأحيان، يشغل الماضي المظلم للحياة عقل الإنسان ويقلقه دائمًا. أمثلة على هذه العوامل هي الخطايا التي اقترفها، تقصيره وزلاته، إلخ.

علاج القلق

من أجل تحقيق السلام، يسعى البعض إلى السعي وراء الدنيا وكسب الثروة، والبعض يعتبر سلامهم في ظل استخدام المزيد والمزيد من مرافق الرفاهية، والبعض يفكر في تجاهل القيود والواجبات الدينية، والبعض يعتبر المخدرات من العوامل المهدئة للإنسان. لكن الطرق الرئيسية للهدوء والسلام موجودة في قضايا أخرى، وإليكم بعض الأمثلة:

1- الإيمان بالله

الإيمان بالله يزيل القلق وأسبابه من جذوره. لأن الدين بمبادئه الأخلاقية يطفئ نار الجشع والطمع  والطموح الذين هم من أسباب القلق.

- فالدين، في ظل الإيمان بالآخرة ويوم القيامة، يربط خيط الحياة في الآخرة، ويعتبر الموت بوابة الحياة الأبدية، ومن خلاله يضفي معنى ونضارة على الحياة المادية للإنسان.

- الإنسان المؤمن هادئ في الشدائد. لأنه من ناحية، يعتبر نفسه دائمًا مسنودا من دعمًا قَوِيًّا وملاذًا آمنًا، ومن ناحية أخرى، في ضوء التوحيد، لم يعد يشعر بالوحدة لأنه يعتبر نفسه يعتمد على القوة التي لا تقهر والذي لديه كل شيء، يقول القرآن الكريم:

الَّذِینَ آمَنُوا وَ لَمْ یلْبِسُوا إِیمانَهُمْ بِظُلْمٍ اولئك لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ[الأنعام/ 82. ]

لأن الإيمان الحقيقي بالله يمنح الإنسان الأمل في معونة الله ودعمه ونعمته، ويشعر أن الله دائمًا معه ويساعده. لذلك فهو لا يخاف من آلام العصر، لأنه يعتقد أن الأحداث هي اختبار وكمال من الله له. المؤمن الصادق لا يندم على الضياع. والمؤمن الصادق لا يعاني من القلق بسبب الذنب، لأنه يعلم أن الله رحيم.

لا يخاف المؤمن مما يخاف منه معظم الناس، مثل الموت، والفقر، والمرض، والضيقة، وما إلى ذلك. وبما أنه يعرف المعاناة على أنها اختبار إلهي ويعرف أنه يجب أن يتحمل، فإن لديه قدرة كبيرة على الصبر في تحمل الشدائد.

المؤمن يعلم أن رزق كل يوم من أيامه من عند الله وهو الذي يوزع الأرزاق على الناس. لذلك، فهو لا يخاف من الفقر.

فالمؤمن لا يخاف الموت وينظر إليه بواقعية. لأنه يعلم أنه لا مفر منه.

السر الرئيسي للشعور بالأمن الروحي بين المؤمنين هو أن النفس البشرية متسامحة، وعندما تهتم بالله، تهدأ من الشعور بالتقارب بينها وبين الله.

في دراسة أجريت على 148 مريضًا ينتظرون الجراحة، وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين لديهم معتقدات دينية أقوى كانوا أقل قلقًا بكثير من غيرهم.

2- تغيير الرؤى والمواقف وخلق موقف إيجابي

تنشأ العديد من المخاوف والقلق من حقيقة أن البشر ليس لديهم الرؤية والموقف الصحيحين تجاه قضايا الحياة. يغير الإيمان موقف الشخص تجاه نفسه والعالم. من خلال تغيير الموقف، تتبدل العديد من المخاوف إلى الهدوء والسلام. بعبارة أخرى، توفر المعتقدات الدينية معلومات تجعل الحياة في الكون حلوة وممتعة للبشر. وتتكون مصالحة بين الإنسان والعالم ويرى الإنسان كل شيء في منظور إيجابي. من المعارف الأساسية التي لها تأثير كبير على نظرة الإنسان الإيجابية إلى العالم الإيمان بالعدالة والحكمة الإلهية. الله عادل، أي أنه لا يهمل فضائل أي مخلوق، ويعطي كل شخص ما يستحق، وهو حكيم.

[مجموعه آثار، مطهري، ج 1، ص 87] وبهذا النوع من المواقف، يشعر الإنسان بالسلام الداخلي

يتبع......

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1724.14
الجنيه المصري 92.85
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 400
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 1.16
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.83
التعليقات
رسول حسن نجم : العراق وايران تربطهما عقائد ومقدسات ولايمكن الفصل بينهما والولايات المتحده تسعى بكل قوتها لهذا الفصل وهو محال.. ...
الموضوع :
صحيفة إسرائيلية: انسحاب بايدن من العراق..وماذا عن مصير (اصدقاء امريكا)؟
رسول حسن نجم : لعل المقصود بالعقل هنا هو الذكاء والذكاء يقسم الى ٢١٤ درجه وكل شخص يقيم تجربه ما حسب ...
الموضوع :
لا صدق في إدعاء أو ممارسة، إلا بإستدلال منطقي
رسول حسن نجم : تعجبني اطروحات وتحليل د. علي الوردي عندما يبحث في الشخصيه العراقيه ولكنه يبتعد عن الدين واخلاقياته في ...
الموضوع :
المستبد بيننا في كل لحظة؟
علاء عبد الامير الصائغ : بسمه تعالى : لا تنقطع رحمة الله على من يرحم الرعية السادة في مجلس الوزراء المحترم والموقر ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
رسول حسن نجم : ان الذين جاؤوا بالكاظمي الى السلطه هم من يتحمل مسؤولية مايجري فهو مجرد اداة لايحترمه الامريكان وهذا ...
الموضوع :
التواجد الاميركي في العراق..انسحاب ام شرعنة؟!
رسول حسن نجم : وماذا نتوقع من العشائريه والقبليه والعوده الى عصور التخلف والجهل وجعل الدين وراء ظهورنا غير هذه الاعمال ...
الموضوع :
بسبب قطع شجرة شخص يقتل اثنين من اخوته وابن اخيه ويصيب اثنين من النساء في بابل
رسول حسن نجم : في واقعنا العراقي المرير بدأ صوت الجهل والهمجيه والقبليه يرتفع شيئا فشيئا وهذا له اسبابه ومنها ١.. ...
الموضوع :
فتاوي المرجعية بين الدليل الشرعي وبين ثرثرة العوام
زيد يحيى حسن المحبشي : مع احترامي لمقام الكاتب هذا مقالي وهو منشور بموقع وكالة الأنباء اليمنية بصنعاء لذا وجب التنبيه ولكم ...
الموضوع :
أهمية ودلالات عيد الغدير
حيدر راضي : مافهمت شي غير التجاوز على صاحب السؤال والجواب غير مقنع تماماً وحتى لو كان غلاماً فهل قتل ...
الموضوع :
الخضر عليه السلام لم يقتل طفلا
نيران العبيدي : اضافة لما تقدم به كاتب المقال اضيف لم اكن اعلم باصولي الكردية الى ان عملت فحص الدي ...
الموضوع :
من هم الكورد الفيليون .. ؟1  
فيسبوك