في كل مرة يقف مسؤول حكومي أمام الكاميرا ليتحدث عن “استقرار نسبي” في سعر الصرف، يكون السؤال الذي لا يُقال أعلى من كل الأرقام: إذا كان خبراء المال والسلطة النقدية يعترفون بأن سوق الدولار الموازي في العراق يدور عملياً حول دائرة ضيقة من اللاعبين، لا تتجاوز 10 إلى 15 شخصاً أو واجهة مالية، فلماذا لا تستطيع الدولة، بكل أجهزتها الأمنية والاستخبارية والرقابية، أن ترصد هذه الدائرة وتفككها أو على الأقل تكشفها للرأي العام؟ هل نحن أمام “أشباح” فعلاً، أم أمام شبكة مصالح متشابكة بين مصارف وأحزاب وشركات صرافة وتجار كبار، يتقاسمون هوامش ربح تُقدَّر بمليارات الدولارات على حساب جيب المواطن؟
هذا السؤال يزداد إلحاحاً في ظل التحذيرات المتكررة من استمرار الفجوة بين السعر الرسمي، البالغ 1310 دنانير للدولار، والسعر في السوق الموازي الذي يدور منذ أشهر في هوامش تتراوح بين 1500 و1480 ديناراً، ما يعني زيادة تقارب 15% عن السعر الرسمي. هذه الفجوة لا تُقرأ فقط في شاشات الصيرفة، بل في سلة الغذاء، وفواتير العلاج، وكلفة الإيجار، وهو ما يعبّر عنه الخبير الاقتصادي رشيد السعدي حين يحذر من أنّ “الارتفاع غير المسيطر عليه في سعر صرف الدولار داخل السوق الموازي يهدد الاستقرار الاقتصادي والمعيشي بشكل مباشر، عبر دفع التضخم إلى الأعلى وتقليص القوة الشرائية وإرباك الأسواق ورفع أسعار السلع والخدمات، ولا سيما المستوردة”.
من المنصّة إلى “أوليغارشية الدولار”
حين أطلق البنك المركزي العراقي المنصّة الإلكترونية للحوالات مطلع عام 2023، كان الهدف المعلن هو ضبط التحويلات الخارجية بالدولار، وتحويل الرقابة من مرحلة ما بعد التنفيذ إلى رقابة مسبقة، استجابة لضغوط الاحتياطي الفدرالي الأميركي بعد اكتشاف أن جزءاً كبيراً من الحوالات لا يمكن تتبعه ويذهب إلى وجهات عالية المخاطر. المنصّة، في ظاهرها، كانت أداة تنظيم، لكنها كشفت عملياً عن بنية سوق شديدة التركّز.
فخلال عشرة أشهر فقط، باع البنك المركزي عبر المنصّة نحو 55 مليار دولار، مع توقع أن يغلق العام على قرابة 75 مليار دولار من مبيعات العملة الصعبة. وفي قلب هذه الأرقام برزت حقيقة لافتة: من أصل عشرات المصارف العاملة في العراق، انحصرت القدرة الفعلية على تحويل الدولار إلى الخارج تدريجياً بستة مصارف فقط، تمتلك وحدها شبكة مراسلين وعلاقات مع بنوك دولية، وتستحوذ، بحسب مسؤولي البنك، على ما يقارب 95% من تعاملات الدولار الرسمية.
هكذا تشكّلت، خلال أقل من عامين، نواة ما يمكن تسميته بـ“أوليغارشية الدولار”: عدد محدود من المصارف، بعضها أهلي وبعضها حكومي، يقف في نقطة تقاطع بين الدولة والنظام المالي العالمي، ويتحكم بمن يدخل إلى دائرة الدولار ومن يُستبعد، في وقت وُضع فيه 31 مصرفاً عراقياً على القائمة السوداء الأميركية ومنع من التعامل بالدولار، بانتظار مراجعات فنية وقانونية معقّدة.
إلى جانب ذلك، جرى فتح قنوات جديدة للتحويل بعملات أخرى (اليورو، اليوان، الروبية، الدرهم) مع دول تشكّل نحو 70% من تجارة العراق الخارجية، لكن القناة المركزية بقيت هي الدولار، سواء من خلال المنصّة أو عبر البنوك المراسلة لاحقاً. ومع نهاية 2024 انتقل الجزء الأكبر من التحويلات من المنصّة إلى نظام التحويل المباشر عبر المصارف المراسلة مع شركة تدقيق دولية، قبل أن يُعلن رسمياً مطلع 2025 إيقاف العمل بالمنصّة الإلكترونية، في خطوة قُدّمت بوصفها “عودة إلى العمل الطبيعي” أسوة بباقي دول العالم.
غير أن هذا الانتقال لم يفكك تركّز السوق، بل أضفى عليه طبقة جديدة من الغموض؛ فالمصارف نفسها التي تسيّدت زمن المنصّة بقيت في موقع القوة بعد إلغائها، فيما عادت شريحة أوسع من شركات الصرافة إلى التعامل بالدولار تحت عناوين “تنظيمية” مختلفة، وبقيت بنية القوة الأساسية كما هي: عدد محدود من البوابات يمسك بمفاتيح الدولار، في بلد يعتمد اقتصاده على الاستيراد إلى حدّ الاختناق.
فجوة الـ 180 ديناراً: ربح لقلّة وخسارة لملايين
الحديث عن “فجوة” بين السعرين الرسمي والموازي يبدو للوهلة الأولى مسألة فنية؛ بضعة عشرات من الدنانير صعوداً وهبوطاً، لكنّ ترجمة هذه الفجوة إلى أرقام إجمالية تكشف عمق المشكلة.
إذا أخذنا مثالاً واحداً فقط من بيانات عام 2025: البنك المركزي باع خلال تسعة أشهر حوالي 60 ملياراً و781 مليون دولار. لو افترضنا أن الفرق بين سعر المنصة الرسمي (1300 دينار) ومتوسط سعر البيع في السوق الموازي (1480 ديناراً) يبلغ 180 ديناراً لكل دولار، فإنّ الربح النظري الناتج عن هذا الفرق يصل إلى نحو 10 تريليونات و940 مليار دينار عراقي تقريباً، أي ما يعادل أكثر من 8 مليارات دولار تقريباً إذا ما قيس على سعر 1300 دينار للدولار.
حتى لو خُفّض الفرق إلى 20 ديناراً فقط عن كل دولار، يبقى الناتج ضخماً: أكثر من 1.2 تريليون دينار، أي نحو مليار دولار تقريباً تذهب في سنة واحدة إلى جيوب من يستطيعون الوصول إلى الدولار الرسمي وإعادة تدويره في السوق الموازي.
هذه الأرقام لا تقول إن جهة واحدة استحوذت على كامل هذا الفارق، لكنها تكشف حجم “الكعكة” التي تُوزَّع بين حلقات شبكة تمتد من بعض المصارف إلى شركات صرافة كبيرة إلى تجار استيراد ومضاربين ومهرّبين. هنا يصبح الحديث عن 10 أو 15 شخصاً أو واجهة مالية يتحكمون بالسوق ليس مبالغة صحفية، بل وصفاً تقريبياً لتركيز القوة في مفاصل محدودة جداً داخل النظام المالي.
تحذيرات الاقتصاد.. ومحدودية استجابة الدولة
في مقابل هذه الصورة، يحاول الخطاب الرسمي طمأنة الشارع بأن الفارق بين السعرين “غير مؤثر” على مستوى الأسعار، وأن التضخم ما يزال في حدود 3.7%، وأن السلع الأساسية تموَّل بالدولار الرسمي، كما يقول مستشارو الحكومة. لكنّ قراءة السعدي تذهب باتجاه آخر؛ فهو يرى أن الارتفاع غير المسيطر عليه في السوق الموازي ينعكس فوراً على سلة الاستهلاك اليومي، من المواد الغذائية إلى الإيجارات والخدمات، ويُربك بيئة الأعمال ويضعف ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني، لأن استمرار الفجوة يعني عملياً استمرار المضاربات والتهريب، وترسّخ قناعة لدى الفاعلين الاقتصاديين بأن قرار سعر الصرف لم يعد في يد الدولة حصراً.
السعدي يشير أيضاً إلى نقطة جوهرية: استمرار الفجوة يعكس خللاً واضحاً في السياسات النقدية والرقابية، ويكشف أن أدوات الدولة – من ضبط المنافذ، إلى مراقبة شركات الصرافة، إلى توفير العملة الأجنبية بشكل منظم وعادل – لا تُستخدم بالاتجاه المطلوب أو لا تُستخدم بالكامل. ومع غياب “حلول سريعة وعاجلة” كما يصفها، يتعقّد المشهد، وتتزايد كلفة الانتظار على المواطنين وقطاع الأعمال معاً.
لماذا لا تصل أجهزة الدولة إلى قلب اللعبة؟
حين يُسأل مسؤولو البنك المركزي عن أسباب اضطراب سعر الصرف، يذهب الخطاب غالباً إلى ثلاثة عوامل: تجارة غير شرعية، صغار مضاربين، طلب من دول مجاورة محرومة من الدولار. هذا التوصيف قد يفسّر جزءاً من الصورة، لكنه يتجاهل البنية العميقة التي أفرزتها السنوات الأخيرة:
دولة تملك بيانات تفصيلية لكل تحويل مصرفي، وقوائم كاملة بالمصارف المعاقبة والمجازة، وسجلات لشركات الصرافة، وأجهزة أمنية واستخبارية تمتد من المنافذ الحدودية إلى الأسواق الداخلية، لكنها تعجز عن تقديم رواية شفافة للرأي العام عن هوية من يسيطرون فعلياً على مفاصل سوق الصرف.
الاحتمالات المنطقية لا تخرج عن ثلاثة سيناريوهات متداخلة:
الأول، أن اللاعبين الحقيقيين لا يظهرون بأسمائهم، بل يعملون عبر واجهات: شركات صرافة مسجّلة بأسماء أفراد عاديين، أو مجالس إدارة لمصارف خاصة ترتبط من الخلف بشخصيات سياسية أو تجارية نافذة، أو شبكات وكلاء في مدن ومحافظات متعددة، ما يجعل تتبّع القرار الحقيقي أكثر تعقيداً من مجرد إغلاق محل أو فرض غرامة.
الثاني، أن جزءاً من هذه الشبكات محميّ سياسياً، لأنّ فرق السعر لا يمثّل مجرد ربح تجاري، بل مصدر تمويل مستمر لأحزاب وتيارات وجماعات ضغط، تستفيد من الفارق اليومي بين السعرين لتمويل نشاطها السياسي والإعلامي والاجتماعي، مقابل توفير غطاء للحلقات الوسيطة في المصارف وشركات الصرافة.
الثالث، أن الدولة نفسها تستخدم أحياناً سعر الصرف كأداة إدارة، تغضّ الطرف عن ارتفاعات محدودة أو موجات تذبذب قصيرة لامتصاص عجز في الموازنة، أو لتمويل التزامات داخلية، أو لتمرير قرارات اقتصادية مؤلمة تحت ضغط الواقع، قبل أن تعود بعد ذلك للحديث عن “معالجات” و“حزم إجراءات” للحد من السوق الموازي.
في كل هذه السيناريوهات، يصبح السؤال عن “عجز” الدولة أقل واقعية من سؤال آخر: إلى أي حدّ ترغب الدولة فعلاً في الدخول في مواجهة شاملة مع شبكة مصالح تستفيد من اضطراب سعر الصرف، في وقت تحتاج فيه إلى هذه الشبكة سياسياً أو مالياً؟
عودة الصيرفات إلى الدولار.. هل انتهت المعركة أم تغيّر شكلها؟
مع إيقاف المنصّة الإلكترونية مطلع 2025، وعودة شريحة أوسع من شركات الصرافة للتعامل بالدولار وفق ضوابط جديدة، بدا المشهد وكأنه انتقال من “نظام طوارئ” إلى “حالة طبيعية”. لكنّ إعادة إدخال الصيرفات إلى دائرة الدولار، بعد أن كان جزء كبير منها محروماً من ذلك بحجة مكافحة التهريب وغسل الأموال، تعني عملياً إعادة تدوير نفس اللاعبين أو جزء كبير منهم ضمن قواعد لعبة معدّلة، لا تغييراً جذرياً في بنية السوق.
البنك المركزي يراهن على أن الرقابة المسبقة عبر البنوك المراسلة وشركات التدقيق الدولية كفيلة بسدّ الثغرات التي كشفتها سنوات المنصّة، وأن تشديد الالتزام بمعايير الامتثال الدولية سيقلّص قدرة الشبكات القديمة على العمل. لكنّ التجربة العراقية تقول إنّ أي نظام رقابي – مهما بدا محكماً على الورق – يمكن أن يتحوّل إلى طبقة إضافية من البيروقراطية، تُستخدم أحياناً لإعادة توزيع الفرص بين لاعبين كبار لا لتفكيك احتكارهم، إذا لم تُرافقه إرادة سياسية واضحة في كشف المستفيدين الفعليين من السوق الموازي.
من المطلوب إلى الممكن: ما الذي يمكن فعله فعلاً؟
حين يدعو رشيد السعدي إلى “حزمة حلول متكاملة تشمل تنسيقاً فعّالاً بين السياسة النقدية والمالية، وتفعيل أدوات الرقابة، وإجراءات شفافة تضمن استقرار سعر الصرف والحد من المضاربات”، فهو يضع إطاراً عاماً منطقياً، لكنه يصطدم بسؤال التطبيق: هل تسمح بنية الاقتصاد السياسي في العراق بالذهاب إلى هذا الحد من الشفافية؟
الحل الواقعي لا يبدأ فقط من زيادة عروض الدولار في المزاد أو تشديد العقوبات على صغار الصيارفة، بل من خطوات أكثر جذرية، من بينها:
فتح بيانات تفصيلية – ولو بالحد الأدنى – عن تركيبة سوق العملة: حصة كل مصرف، كل شركة صرافة كبرى، نسب التركّز، وجهات التحويل الرئيسة.
دمج ملف سعر الصرف بملف تمويل الأحزاب والإنفاق الانتخابي، بوصفهما مسارين يلتقيان عند نقطة واحدة: من يدفع الفاتورة ومن يتقاضى الفارق.
ربط الإصلاح المصرفي بسياسات اجتماعية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة؛ لأنّ أي حديث عن استقرار سعر الصرف يفقد معناه حين يرى الناس أن كلفة هذا الاستقرار تُدفع من قدرتهم على الشراء ومن مستقبل أبنائهم.
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى المشهد كما هو تقريباً: بيانات رسمية تتحدث عن “استقرار نسبي” وعن تضخم “مقبول”، وخبراء يحذرون من اتساع الفجوة بين السعرين ونتائجها على الحياة اليومية، وسوق موازية تدور حول دائرة ضيقة من اللاعبين، يُقال إنّ عددهم بين عشرة وخمسة عشر، لكن أحداً لا يسمّيهم. وفي الخلفية، السؤال هو: هل عجزت الدولة فعلاً عن ملاحقة هذه الدائرة، أم أن فضحها بالكامل قد يفتح ملفات أكبر مما تحتملها بنية السلطة نفسها؟
https://telegram.me/buratha

