المقالات

في الطريق الى الحداثة 


محمد عبد الجبار الشبوط||

 

لا تقوم الدولة الحضارية الحديثة الا بمنظومة القيم الحافة بالمركب الحضاري من جهة، وبالحداثة من جهة ثانية.  ومن هنا جاء وصف الدولة بانها "حضارية" و "حديثة".  والحديثة المنبثقة من الحداثة صفة نسبية، تتغير من زمن الى زمن. ولهذا اقول ان لكل عصر حداثته. والجمود على حداثة عصر ما يوقف الحركة الاجتماعية. ولهذا يشكل التجاوز عنصرا مهما في صناعة الحداثة، فليس هناك حداثة تحرّم التجاوز. تتحقق الحداثة بثلاثة امور: العقل والحرية والعلم. وبدون هذه الامور لا تتحقق الحداثة.  العقل اساس العقلانية، والعقلانية نقيض الخرافة، والتقليد الاعمى وعبادة الشخصية.  و العقل هو اداة التفكر والبحث والاكتشاف والابداع والانجاز  والتفكر والفهم الصحيح. ولا يتحقق التقدم بدون اعمال العقل، وبدون تحرير العقل من الاغلال.  والحرية امر متعلق بالارادة، وهي نقيض العبودية والاستبداد. لا تتحقق الحداثة في مجتمع تحكمه الخرافة باشكالها المختلفة، ويتصف بالعبودية الطوعية، كما يقول ايتيان دو لا بويسي. والعلم يتحقق بثلاثة امور هي: الوحي والعقل والتجربة. والوحي يفتح الطريق امام العقل والتجربة، ولا يقف حائلا امامهما، كما في قوله تعالى:"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"، وقوله:"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ"، وقوله:"وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، وقوله:"وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ". والوحي مصدر اساسي للقيم العليا الحافة بالمركب الحضاري. ولكن ماذا يفعل الذي لا يؤمن بالله؟ لا يهمني ذلك ما دام يتفاعل بايجابية مع منظومة القيم الحضارية العليا. فالمهم هو "العنب وليس الناطور" كما يقول المثل اللبناني.  والعلم في تاريخ البشري ظاهرة تراكمية. والمراكمة تحصل بالتجربة المستمرة، و بتصحيح الاخطاء العلمية على اساس التجارب الجديدة. حيث "لا يمكن للعقل العلمي، كما يقول غاستون باشلار، ان يتكون الا وهو يحطّم العقل غير العلمي". والعلم هو جوهر الحداثة. ولكي تكون الدولة حديثة فيجب ان تبنى على اساس العلم: العلم السياسي والعلم الاقتصادي والعلم الاجتماعي والعلم التربوي الخ. وكل من حاول "تحديث" دولته بدأ بالعلم. والمحاولة تنجح او تفشل تبعا لتوفر شروطها ومناخها، وفي مقدمة شروطها العقل والحرية. فلا يمكن ان تنجح محاولات التحديث العلمية في مجتمع الخرافة والعبودية والاستبداد. العقلانية والحرية شرطا العلم. وفيما يتعلق ببناء الدولة،  يجسد الاستقلالُ الحريةَ، اذْ بدونه لا تنجح محاولات تحديث الدولة. تفشل عمليات التحديث في المجتمعات المصابة بالقابلية على الاستعمار كما يقول مالك بن نبي.  والمدرسة حصن العلم. والدولة الحضارية الحديثة تضع المدرسة في قمة اولوياتها، حيث لا يمكن تنشئة جيل عالم مسلح بالمعرفة وحب العلم دون ان تغرس المدرسة في نفوس ابناء المجتمع هذه الفضائل المتعلقة بالعلم. ولهذا اهتم كل من تصدى لبناء الدولة على اسس علمية سليمة لانشاء المدارس القادرة على تحقيق ذلك، منذ حمورابي، وربما قبله، الى العصر الحديث، مرورا بالاسلام والثورة الفرنسية. ومن هنا دعواتي المتكررة الى انشاء المدارس الحضارية الحديثة في العراق، والى ضرورة ان تتولى الدولة هذه المسألة، واذا تلكأت الدولة في ذلك وتعذر عليها تحمل اعباء هذه المسؤولية، انتقل الواجب الى اهل القدرة المالية والمعرفية من ابناء المجتمع وذلك بانشاء المدارس الاهلية غير الربحية على اساس النظام التربوي الحضاري الحديث. واقولها بما يشبه التحذير، من ان المجتمع او الدولة اذا تلكأ اي منهما او كلاهما في الاخذ بالحداثة فان المجتمع والدولة سوف ينحدران في وادي التخلف الحضاري السحيق ويفشلان في اقامة حياة طيبة سعيدة للانسان في الجيل الحاضر وفي الاجيال القادمة.
اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1639.34
الجنيه المصري 93.11
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2083.33
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 403.23
ريال سعودي 390.63
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.86
التعليقات
محمد الهندي : هم من يحكم العراق ويسرقه بالاتفاق مع الاخوه الاعداء وساستنا تبارك لهم ذلك ...
الموضوع :
العرداوي: ترشيح زيباري لرئاسة الجمهورية تجاوز على القانون والدستور
ابو محمد : احسنت واجدت فقرة مرض الولد عشتها شخصيا قبل ايام وكما وصفت بالضبط والحمد لله على كل حال. ...
الموضوع :
من قال أن الرجال لا يبكون .؟!
احمد سواعد : يعطيكم العافيه ...
الموضوع :
وفاة أم البنين (عليها السلام )
حسن : السللم على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين السلام على أبا الفضل ...
الموضوع :
من كرامات الإمام الحسين صلوات الله عليه: اين ذهبت الغدة السرطانية؟قصة معاصرة حقيقية بكل حرف من حروفها
الحاج هادي العكيلي : السلام عليكم .. بالنظر لاهمية محاضرة الشيح جلال الدين الصغير في توضيح الامور وخاصة من الجانب السياسي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن سنة صاخبة تتماوج بين الاحداث وآثارها وبين علامات الظهور ودورها
ابن الاعظمية : الكابتن الاسطورة حسين سعيد ابن الاعظمية البار فهو من مواليد الاعظمية وجاري تبا وتعسا وبغضا لمن يعاديه ...
الموضوع :
حسين سعيد الفلسطيني البعثي ماذا لو كان عراقياً
مازن : إلى جهنم و بئس المصير لعنه الله على كل البعثيين و الصداميين الاوباش ...
الموضوع :
وفاة ابن خالة الطاغية المقبور صدام حسين ومرافقه الاقدم المجرم ارشد ياسين
كرار حسان : عشيرة بيت عوفي وهي عشيرة من أحد عشائر البوبخيت المهمة يراسها في الوقت الراهن الشيخ حسن ناجي ...
الموضوع :
«مسلم» الوحيد بين 600 طفل من «بيت عوفـي» فـي البصرة يقطع 15 كلم ليواصل تعليمه
محمد سعيد : مقالكم جميل حياكم الله ووفقكم أتمنى لكم دوام التوفيق ...
الموضوع :
هل ينجحون اليوم بما فشلوا به في الأمس..
Majeda Khalil : رحم الله والديكم والله يقضي حوائجكم بحق صاحب السجدة الطويله الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك